اليمن: وضع إنساني “يائس”
بقلم: لوك ماتيو ———
(صحيفة”liberation” الفرنسية, ترجمة: أسماء بجاش-سبأ)
يعيش المدنيين في اليمن بين مطرقة الغارات الجوية والقصف وبين سندان الانهيار الاقتصادي الذي ألقى بظلاله على العملية الشرائية وبالتالي يواجه اليمنيون صعوبات جمة في توفير المواد الغذائية والحصول على الرعاية الصحية اللازمة ، ناهيك عن كون البلد يصارع شبح الوقوع في شرك المجاعة التي لم يسبق لها مثيل.
هذه هي الكلمات نفسها التي تم تداولها فيما يخص اليمن منذ بداية الحرب في ربيع العام 2015, حينما وصف الوضع الإنساني في اليمن بأنه “كارثي”, فهذا الخطاب طالما تكرر من قبل العاملين في المجال الإنساني والدبلوماسيين ورؤساء الدول في المجتمع الغربي.
يعتبر اليمن أفقر دولة ضمن منظومة دول العالم العربي ، حيث كان يعتمد قبل بدء الصراع أواخر مارس من العام 2015 على 90 ٪ من وارداته الغذائية , الحاصل الآن أن البلد يسير نحو منحدر خطر.
ومن جانبه , أشار الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس” مطلع هذا الشهر إلى أن اليمن أصبح على شفا جفر هار من الوقوع في شرك المجاعة , فالبلد على المستوى الإنساني يعيش وضعاً يائساً , حيث يعتمد حوالي 22 مليون شخص من أصل عدد السكان البالغ عددهم 28 مليون شخص على المساعدات الدولية التي أصبحت هي الأمل الوحيد الذي يساعدهم على البقاء.
إذ لم يكن السبب في هذه الأزمة المروعة سبب طبيعياً , فهي بحسب الأمين العام للأمم المتحدة جاءت بفعل الانسان.
كما أشار “ميجو ترزيان” رئيس منظمة أطباء بلا حدود غير الحكومية , إلى أنه منذ بدء هذا الصراع , عملت المنظمة على تقديم الرعاية الصحية لما يقرب من 60 ألف جريح في المستشفيات والمراكز الصحية التابعة لها , فهذا الرقم على حد تعبيره مهم للغاية , حيث أنه لم يرى له مثيل منذ أكثر من 20 عاماً التي قضاها في مجال العمل الإنساني.
تدهورت الحالة العامة في البلد بعد أن استقرت جراء تجميد الخطوط الأمامية مرة أخرى منذ الأول من نوفمبر الحالي ، حيث استأنفت العمليات القتالية , بالإضافة إلى الهجوم الذي شنته قوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة على مدينة الحديدة الساحلية ، ناهيك عن استئناف الاشتباكات بالقرب من مديرية عبس في محافظة حجة والعديد من المدن الشمالية الأخرى التي تم قصفها.
ووفقاً لمشروع اليمن للبيانات , فإن ثلث الغارات الجوية التي شنها التحالف العربي على اليمن منذ العام 2015 استهدفت أهدافاً مدنية , في حين تضررت مستشفيات منظمة أطباء بلا حدود خمس مرات.
أزمة الوقود:
تكمن المشكلة الرئيسية التي يواجهها المدنيين في اليمن في عدم توفير المشتقات النفطية اللازمة لاستمرار العمل في المستشفيات والمرافق الصحية.
فالكثير من هذه المراكز لا تعد تعمل بعد الآن ، جراء نقص اليد العاملة , حيث لم يتم دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية بما فيهم موظفي القطاع الصحي منذ أغسطس من العام 2016.
وفي حال لا يزال المستشفى مفتوحاً ، لا يستطيع الجرحى والمرضى الذهاب إليه بسبب عدم وجود سيارة أو حافلة نقل , وفوق كل شيء لا يمتلك المدنيين المال لدفع ثمن الأجرة , بالاختصار لقد انهار الاقتصاد اليمني.
لم يتمكن البلد من إقرار ميزانيتها منذ ثلاث سنوات , حيث كان مواردها الوحيدة يأتي من بيع النفط , كما انهارت العملة الوطنية , وفي خلال الثلاث السنوات الاخيرة , شهدت أسواق النفط تأرجح كبير , حيث فقد سعره بأكثر من 50٪ مقابل الدولار.
ومن جانبها , قالت رضية المتوكل رئيسة منظمة “مواطنة” غير الحكومية , أن قضية عدم دفع الرواتب تعتبر واحدة من المشاكل الرئيسية التي يمكن حلها بسهولة.
فمن ناحية ، يقول الحوثيون أنهم ليسوا المسؤولين عن عدم دفع أجور موظفي الخدمة المدنية , ومن ناحية أخرى تلقي الحكومة اليمنية ودول التحالف العربي باللوم على المتمردين بحسب وصفهم في هذه القضية , نظراً إلى أن تلك المناطق ليست خاضعة لسيطرتها.
والنتيجة الآن هي أن الناس من الطبقة المتوسطة يتجهون إلى بيع منازلهم وسياراتهم من أجل البقاء على قيد الحياة حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية منذ العام 2015, ناهيك عن تضاعف سعر الوقود والمشتقات النفطية إلى أكثر من الضعف ، الأمر الذي لا يؤدي فقط إلى صعوبات في التحرك , ولكنه أيضاً يؤدي إلى تعطيل عمليات استخراج المياه من الآبار أو تشغيل مولدات الكهرباء.
كما قالت راضية المتوكل أيضاً أن طبقة الأغنياء قاموا بتثبيت ألواح شمسية البديل الوحيد لطاقة الكهربائية ولكن الآخرين يعيشون في الظلام بدون كهرباء.
ووفقًا للتقارير الصادرة عن مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية التابع للأمم المتحدة , فأن ارتفاع أسعار المواد الغذائية ارتفع بمعدل أكثر من 35% بحلول العام 2017.
وبحسب “ميجو ترزيان” فأن الأسواق تعج بكل شيء من منتجات غذائية وغيرها , بالإضافة إلى أن عمليات الاستيراد لا تزال مستمرة والتي تأتي من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان , ولكن المشكلة تكمن في أن العديد من اليمنيين لم يعودوا قادرين على تحمل تكلفة الشراء.
المجاعة تلوح في الأفق :
إلى أي مدى سيؤول الامر في اليمن ؟ ففي 23 أكتوبر , أعرب وكيل الامين العام للشؤون الإنسانية ومساعدة الطوارئ مارك لوكوك عن قلقة الشديد إزاء ما يحدث في اليمن والذي ينذر بقرب وقوع البلد في شرك المجاعة.
وبحسب منظمة “أنقذوا الطفولة” غير الحكومية , سيكون الوضع أسوأ بكثير من أي شيء رأيناه خلال حياتنا المهنية , حيث تهدد المجاعة أكثر من 5 ملايين طفل.
وفي الوقت الحالي ، يتم علاج أكثر من 420 الف شخص من سوء التغذية وبنبرة حادة , أشار ميغو تيرزيان إلى أنه عندما نتحدث عن المجاعة فهذا يدل على وجود أعداد مهوله من البالغين يعانون من سوء التغذية , وهذا ما لا نشهده في الوقت الراهن , ففي مستشفياتنا ، لم يعد يصلنا أطفال يعانون من سوء التغذية الحاد.
وعندما نستفسر عن حال هؤلاء الأطفال من أمهاتهم , يظهر لنا أن القضية ترتبط ارتباطاً مباشراً بأمراض مثل : الالتهاب الرئوي والحصبة أو الإسهال البسيط , حيث أن هذه الأمراض هي السبب في انتشار سوء التغذية , لذي فالمشكلة الحقيقية تكمن في كيفية الحصول على الرعاية الصحية , حيث أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الوقوع في شرك المجاعة ، ولكن الوضع العام كارثي.