اليمن الأزمة الحقيقية
اليمن الأزمة الحقيقية
بقلم: ريتشارد لاتندريس(صحيفة ” Le Journal de Montréal ” الكندية, ترجمة: أسماء بجاش-سبأ)
كل عشر دقائق يموت طفل في اليمن ما دون سن الخامسة جراء سوء التغذية الحاد الذي يعصف بالبلد أو بسبب أمراض يمكن الوقاية منها, فكل هذا يحدث في العام 2018! ومن الطبيعي أن لا أحد يمكنه التهرب من هذه الحقيقة، أزمة بعد أزمة منذ نهاية الصيف، وهذه حقيقية واقعية يعانيها المدنيين اليمنيين.
ان كل شخص لديه رأيه في قضية التحرش المنسوبة للقاضي بريت كافاناه ومتهمته كريستين بلاسي فورد, وعندما كنت في مقاطعة كيبيك الكندية العام الماضي، سألت مرة أخرى عن ماهية التضحيات المطلوبة من مزارعي الألبان وفقاً لما نصت عليها اتفاقية التجارة الحرة الجديدة.
ترددت الضحكات الساخرة اثر خطاب الرئيس دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة, في حين أن الكتاب الأخير لصحفي الاستقصائي بوب وودوارد “الخوف: ترامب في البيت الابيض” الذي وصف فيها الفوضى وانعدام الإنضباط والنظام داخل البيت الأبيض خلال عهد الرئيس ترامب.
قضايا وأحداث كثيرة شغلت العالم كقضية قوافل آلاف المهاجرين التي تسير نحو الحدود الأمريكية, وجائزة اليانصيب التي بلغت قيمتها 1.6 مليار دولار, باختصار: أزمات وفضائح وقضايا كبرى لم تستثني أحد.
ولكن إذا نظرت لكل لهذا عن كثب، فهو غير ذو أهمية أمام ما يعانيه اليمن منذ أواخر مارس من العام 2015، عندما بدأ الأمير السعودي “محمد بن سلمان” ووزير الدفاع المعين حديثًا الحملة العسكرية العنيفة ضد الجار الجنوبي الصغير.
يشار إلى الامير “محمد بن سلمان” الذي تولى منصب ولي العهد خلافاً لوالده الملك الحالي للمملكة السعودية في يوليو من العام المنصرم, بأصابع الاتهام في قضية اغتيال الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”.
انتقام بعد الموت:
الصحفي السعودي “جمال خاشقجي” الذي دعم في بادي الامر الحرب التي تشنها المملكة العربية السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، خاب أمله بشكل تدريجي بسبب حجم الدمار الحاصل على الأرض, بالإضافة إلى الخسائر والإصابات المروعة بين صفوف المدنيين.
وفي آخر تعليق له نشرته صحيفة ” Washington Post “، طالب فيه الرجل السعودي البالغ من العمر 59 عاما ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان” بإنهاء الصراع الذي لم يحقق الاستقرار والأمن المتوقع من تلك الحملة، لكنه أثبت أنها كارثة على السعوديين على الصعيد الدولي, تصريحات مأساوية ومثيرية للسخرية في الوقت نفسه، إذ أدت تلك التصريحات التي انتقد فيها النظام الملكي الوهابي بوضوح إلى مقتله، وهي عملية اغتيال عملت على تشويه “الصورة الدولية” للمملكة السعودية.
الرياض وملكها الشاب المستقبلي لم تشوه صورتهما ولا سمعتهما اطلاقا رغم الجرائم الجسيمة التي ارتكبت في حرب اليمن.
ففي مطلع هذا الشهر, شنت قوات التحالف العربي غارات جوية عنيفة استهدفت من خلالها مطار صنعاء وميناء الحديدة نقطة العبور الرئيسية في البلد والتي من خلالها تمر الواردات الغذائية والدوائية وغيرها من الضروريات إلى المناطق الشمالية.
كل هذا، حدث بعد أيام فقط من دعوة وزير الدفاع الأمريكي ” جيمس ماتيس” لوقف إطلاق النار واستئناف عملية السلام. وبالرغم من ذلك لا يزال الامير “محمد بن سلمان” مستمرا في جرائمه دون مبالاة.
ثقل الأممي:
يعيش اليمن في غيبات الزوايا المنسية والضائعة التي مزقتها الحرب القبلية والعصبية, بالإضافة إلى كون هذا البلد يعيش في خضم حرب بالوكالة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إذ يعتبر هذا الصراع معقد لدرجة أن المنطقة قد تفقد شيئا فشيئا هويتها العربية وما هو أسهل للفهم من ذلك هو أن السكان المدنيين هم الضحية الكبرى لهذه المذبحة, حيث تمكنت هذه الحرب من حصد أرواح ما لا يقل عن 10 آلاف شخص, بيد أن الرقم الحقيقي يبدو أكبر من ذلك بكثير.
ومن جانبها, أشارت الأمم المتحدة إلى إن14 مليون شخص، أي ما يعادل نصف عدد السكان في اليمن مهددون بالوقوع في شرك المجاعة, كما ترى فيها الأسوأ منذ أكثر من 100عام.
كما وجدت الأوبئة في هذا الجزء من العالم بيئة خصبة ومواتية للانتشار, حيث ترتفع معدلات الإصابة بوباء الحصبة والدفتيريا, بالإضافة إلى تشوهات الأجنة والسرطان بين صفوف الاطفال, ناهيك عن أطباق وباء الكوليرا خناقة على مليون شخص.
من كارثة إلى أخرى: المجاعات في اقليم بيافرا في نبجيريا وإثيوبيا والإبادة الجماعية في سربرنيتسا, وفي المرة القادمة لن نتغافل بعد ذلك أبدا, وبالنسبة لليمن، لا يمكننا القول بأننا لم نكن نعرف.