طوفان الجنيد*

هل أصبح الشرق الأوسط والخليج العربي على موعد مع الخلاص من الهيمنة الأمريكية وجلاء قواتها؟
مؤشرات متصاعدة على تراجع الوجود العسكري الأمريكي وانكسار معادلات الهيمنة في المنطقة
في أثناء تصفحي لبعض الصحف والمواقع الإخبارية، توقفت عند مقال للكاتب والمحلل السياسي الكبير عبدالباري عطوان، رئيس تحرير صحيفة رأي

اليوم، بعنوان: «هل بدأ الهروب الأمريكي من الشرق الأوسط والخليج العربي؟»، استند فيه إلى تقرير جديد لأحد المستشارين العسكريين للرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، كشف جانبًا من الخسائر الاقتصادية والعسكرية التي مُنيت بها الإدارة الأمريكية خلال ولاية الرئيس الحالي دونالد ترامب، وحربها العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي استمرت ستة أشهر.
وبحسب ما أورده التقرير، فقد تجاوزت الخسائر التي تكبدتها الخزانة الأمريكية 33 مليار دولار، إلى جانب مئات الجنود الأمريكيين، وما يقارب 43 طائرة عسكرية وحربية.

وهذه الأرقام، وفق تحليل عبدالباري عطوان، لا تبدو مجرد حصيلة عسكرية عابرة، وإنما يمكن قراءتها بوصفها اعترافًا أوليًا بحجم المأزق الأمريكي، وتوجهًا عمليًا نحو تقليص الخسائر، خصوصًا في ظل سعي المؤسسة العسكرية إلى فرض قيود على اندفاع الرئيس دونالد ترامب، ومنع تحويل الحرب إلى استنزاف طويل الأمد، يتناقض مع العقيدة الجديدة للبنتاغون التي تسعى إلى تجنب الحروب الطويلة والخسائر البشرية والمالية الباهظة.

وكشف التقرير، للمرة الأولى أيضًا، عن إسقاط الإيرانيين لأكثر من 42 طائرة عسكرية أمريكية، من بينها طائرة شبح من طراز «إف-35»، وأربع طائرات من طراز «إف-15» المتطورة، و12 طائرة للتزود بالوقود في الجو، وأخرى من طائرات الأواكس الاستخبارية، إضافة إلى 30 مسيّرة من طراز «MQ-9».
كما يشير التقرير إلى أن الغالبية الساحقة من القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وفي الخليج تحديدًا، تعرضت للتدمير أو لأضرار بالغة، بعد فشل منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الاعتراضية في حمايتها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية المهاجمة.

وربما لهذا السبب، تزايدت الهجمات الصاروخية الإيرانية على القواعد الجوية الأمريكية في الأردن خلال الفترة الأخيرة، في ظل الحديث عن سعي واشنطن إلى الاعتماد عليها بدلًا من بعض نظيراتها في الخليج، في تنفيذ عمليات أو إطلاق صواريخ باتجاه أهداف في العمق الإيراني أو في محيط مضيق هرمز.
وكان مايكل فوكس، المستشار السابق للرئيس جو بايدن، من أوائل الذين دقوا جرس الإنذار، عندما نشر مقالًا في مجلة فورين أفيرز، أكد فيه أن الحرب على إيران كشفت فشل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وأثبتت، وفق رؤيته، أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يحقق الأمن والاستقرار، بل أصبح عاملًا في تعميق الأزمات، وأن الوقت قد حان لإنهاء هذا الوجود.
وركز فوكس كذلك على الجانب الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 في أفغانستان والعراق، كلفت الخزانة الأمريكية نحو 8 تريليونات دولار، وشارك فيها نحو 3 ملايين جندي ومتعاقد أمريكي، قُتل منهم أكثر من 15 ألف عسكري، فيما أصيب نحو 1.8 مليون جندي ومتقاعد بإعاقات مختلفة.

ومن هنا يمكن قراءة المشهد الأوسع: هل بدأت الولايات المتحدة بالفعل مرحلة إعادة حساباتها في الشرق الأوسط والخليج، أم أن الأمر لا يزال مجرد إعادة انتشار عسكري مؤقتة تفرضها ظروف الحرب؟
نخلص من كل ما تقدم إلى أن أمريكا، التي دخلت في مواجهة مكلفة بفعل ما يصفه منتقدو إدارة ترامب بالتهور والانخراط في حسابات الحرب الإسرائيلية، بدأت تواجه استحقاقات استراتيجية واقتصادية وعسكرية يصعب تجاهلها.
وقد تكون المنطقة أمام تحولات شبيهة، من حيث المبدأ، بما شهدته في مراحل سابقة مع تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي، خصوصًا إذا تواصل استنزاف الوجود الأمريكي في العراق ومنطقة الخليج، حيث تنتشر قوات وقواعد أمريكية بأعداد كبيرة.

أما المغامرة الأمريكية في البحر الأحمر، فقد شكلت، في قراءة المشهد اليمني، محورًا مهمًا في التحولات الجديدة، وأسهمت في إعادة رسم بعض معادلات القوة والردع وموازين النفوذ في المنطقة، وأظهرت أن السيطرة على الممرات البحرية لا تُحسم بالقواعد والأساطيل وحدها، بل ترتبط أيضًا بقدرة القوى الإقليمية على فرض معادلات جديدة في الميدان.

لقد بدأت الهيبة الأسطورية للقوة الأمريكية تتعرض لاختبارات غير مسبوقة، وأصبح السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل تستطيع واشنطن البقاء في المنطقة؟
بل: إلى أي مدى تستطيع تحمل كلفة بقائها؟

والفضل، كل الفضل بعد الله سبحانه وتعالى، في جانب مهم من هذه التحولات يعود إلى صمود شعوب المنطقة وقوى المقاومة، وفي مقدمتها القيادة السياسية لأنصار الله، وإيمان وثبات الأبطال في محور المقاومة، الذين أسهموا في كسر صورة القوة التي لا تُقهر، وفتحوا الباب أمام معادلات جديدة عنوانها أن زمن الهيمنة المطلقة على المنطقة قد بدأ يتراجع، وأن شعوبها باتت أكثر قدرة على الدفاع عن سيادتها وفرض إرادتها.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب