السياسية - وكالات :


يواصل المستوطنون الصهاينة لليوم الحادي عشر على التوالي حصار ثلاثة منازل فلسطينية في بلدة قصرة جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة، وسط حماية من جيش العدو الإسرائيلي، في محاولة للاستيلاء عليها وفرض أمر واقع، رغم الضغوط والنداءات الدولية لإنهاء الحصار.

ويمنع المستوطنون العائلات من الخروج أو الدخول إلى هذه المنازل الواقعة في منطقة "رأس العين"، وسط إعلان المنطقة عسكرية مغلقة، في صورة تعكس حجم التوغل الاستيطاني لتغيير معالم الأرض الفلسطينية.

وتعود المنازل المحاصرة لعائلتي عبد السلام وأبو ريدة، ويقيم فيها نحو 15 فلسطينياً بينهم طفلان، ويعاني السكان من نقص حاد في المياه والاحتياجات الأساسية.

ونشر جيش العدو الإسرائيلي نقاطاً عسكرية ثابتة في المنطقة، ومنع الأهالي والمتضامنين من الوصول إلى المنازل، بينما يواصل المستوطنون تحركهم في محيطها.

وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد أوسع لعنف المستوطنين في الضفة الغربية؛ وبحسب بيانات أممية أوردتها وكالة "أسوشييتد برس"، سُجلت في بلدة قصرة خلال عام 2026 هجمات للمستوطنين تفوق أي تجمع فلسطيني آخر في الضفة، مما جعل البلدة واحدة من أبرز بؤر التوتر الساخنة خلال الأشهر الأخيرة.



كيف بدأت قصة حصار "قصرة"؟

في 9 أغسطس 2026: بدأ الحصار عندما أقدم مستوطنون على محاصرة ثلاثة منازل تضم نحو 15 فلسطينياً في منطقة جبل رأس العين، وأغلقوا الطرق بالحجارة ونصبوا خيماً وقطعوا المياه والكهرباء والطعام وسط حماية جيش العدو.

10 - 13 أغسطس: تواصل الحصار لليوم الرابع والخامس وسط محاولات من الأهالي الصامدين للتواجد فوق أسطح المنازل بالتناوب، وتجاهل من جيش الاحتلال لرفع الحصار رغم وجوده المكثف.

14 أغسطس: تصاعد التفاعل الحقوقي والدولي؛ حيث حاول عشرات الناشطين الفلسطينيين والأجانب والإسرائيليين الوصول إلى المنطقة لكسر الحصار وإدخال المساعدات، لكن قوات الاحتلال منعتهم بحجة أنها "منطقة عسكرية مغلقة". وبالتزامن، دخلت الولايات المتحدة وفرنسا على خط الأزمة.

15 أغسطس: استمر الحصار لأسبوعه الأول وسط معاناة إنسانية شديدة ونقص حاد في الغذاء والدواء وانقطاع الخدمات الأساسية.

16 أغسطس: وصفت منظمات حقوقية دولية، مثل منظمة العفو الدولية، ما يحدث في قصرة بأنه "إرهاب استيطاني منسق" يهدف للتهجير. ونجح طاقم من "اليونيسيف" بالوصول للمكان وإدخال كميات محدودة من المياه والمساعدات.

17 أغسطس: نجح أحد أصحاب المنازل المحاصرة "يحمل الجنسية الأمريكية" في الوصول لمنزله قادماً من الولايات المتحدة برفقة وفد أمريكي. وفي المقابل، أقدم جيش العدو على تبديل الوحدات العسكرية، وواصل الجنود إعاقة محاولات إصلاح خطوط المياه.

18 أغسطس: دخول الحصار يومه العاشر، مع بقاء التوتر الميداني وإصرار العائلات المحاصرة على عدم الرحيل رغم استمرار القيود وحرية حركة المستوطنين في محيط البيوت.



اقتحامات وتحويل منازل إلى ثكنات

وبحسب مصادر محلية فلسطينية، اقتحمت قوات العدو الإسرائيلي البلدة بأكثر من 1000 جندي وانتشرت في المناطق الغربية والجنوبية.

وقال رئيس بلدية قصرة عبد العظيم الوادي، لوكالة "سند للأنباء"، إن قوات العدو سيطرت على أحد المنازل وحولته إلى ثكنة عسكرية، وأغلقت جرافاتها الطرق المؤدية إلى جبل رأس العين، وسط انتشار مستمر لقوات العدو والمستوطنين.

وأضاف الوادي أن السكان يواجهون خطراً مباشراً عند التصدي للاعتداءات، لافتاً إلى أن قصرة قدمت 11 شهيداً، بينهم 8 منذ السابع من أكتوبر 2023.

وأكد الوادي أن الإجراءات الصهيونية المتواصلة لا تستهدف الطرق وحدها، وإنما تطال الأرض والسكان، بهدف دفع الأهالي بعيداً عن أراضيهم وتهيئة المجال أمام التوسع الاستيطاني.

ويتزامن ذلك مع تصعيد صهيوني أوسع في الضفة يتضمن شق طرق جديدة وإغلاق أخرى وفرض قيود على حركة الفلسطينيين.

وفي هذا السياق وصف داوود صلاح، من سلفيت ما يجري بأنه "حرب طرق التفافية" تهدف لانتزاع الأراضي وتغيير المعالم الجغرافية. وقال لـ "سند" إن شق الطرق يترافق مع تجريف مساحات واسعة واقتلاع أشجار الزيتون وفرض قيود على المزارعين، بما يسهم في ربط البؤر الاستيطانية وتقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية.

ويخشى أهالي قصرة تكرار سيناريو بلدة جالود المجاورة، حيث استمر حصار منزل المواطن محمود الطوباسي لأكثر من ثلاثة أشهر، وانتهى بإجبار العائلة على إخلائه وإحراقه والاستيلاء عليه لإقامة بؤرة استيطانية.

وفي قصرة، ترفض العائلات المحاصرة الإخلاء، فيما تتجمع في منزل واحد لمواجهة محاولات السيطرة على المنطقة.

و تشهد قرى جنوب نابلس، ولا سيما جالود وقريوت وتلفيت وقصرة ومادما، تصاعدا في اعتداءات المستوطنين التي تشمل إحراق الممتلكات، والاعتداء على المواطنين، ومهاجمة المنازل، وتخريب البنية التحتية والأراضي الزراعية، وذلك بحماية قوات العدو الإسرائيلي، في إطار سياسة تهدف إلى التضييق على المواطنين وتهجيرهم قسرا والاستيلاء على مزيد من الأراضي لصالح التوسع الاستيطاني.



الاهمية الاستراتيجية لبلدة قصرة

تقع قصرة على بعد 24 كم جنوب شرقي نابلس، وترتفع 750 - 850 متراً عن سطح البحر.

ولا تكمن أهمية قصرة في مساحتها فحسب، بل في موقعها المرتفع المشرف على غور الأردن. وتشير تقارير إلى أن البلدة والقرى المحيطة تشكل عائقاً جغرافياً أمام إيجاد تواصل استيطاني بين الكتل الاستيطانية في وسط الضفة والمستوطنات شرقاً باتجاه الأغوار، وفق صحيفة "النهار العربي".

وبحسب هذه المعطيات، فإن السيطرة على محيط قصرة تسهم في إنشاء "حزام استيطاني عرضي"، فيما يشكل بقاء الفلسطينيين في قصرة وجالود ودوما والمغير عائقاً أمام اكتمال هذا التواصل.

وحسب الصحيفة، تحولت قصرة رغم صغرها إلى إحدى أبرز نقاط المواجهة مع التوسع الاستيطاني، فالمعركة فيها لا تتعلق بمنزل فحسب بل بموقع يؤثر في التواصل بين شمال الضفة وجنوبها وبين وسطها وغور الأردن.



أهداف استيطانية ومائية

ولا تنفصل محاولة السيطرة عن أهمية جبل رأس العين. فالمنطقة تقع ضمن المنطقة "ب" وفق أوسلو، وتربط 3 قرى هي قصرة وتلفيت وجلود عبر شارع رئيسي قطعه المستوطنون.

وبحسب رئيس البلدية، حاول المستوطنون إقامة بؤرة استيطانية في الموقع 8 مرات سابقاً وأفشلها الأهالي، والآن يعيدون المحاولة بتصعيد هجماتهم في ظل حماية جيش العدو ودعم حكومي، وفق "التلفزيون العربي".

إلى جانب ذلك، تمثل المنطقة خزاناً مائياً حيوياً إذ تضم نبعاً يغذي ينابيع القرى الثلاث، ما يعني أن السيطرة عليها تؤدي للتحكم في شريان الحياة المائي.

ويقود ذلك إلى استنتاج أن الحصار يتعدى استهداف المنازل، إذ ينظر المستوطنون إليها كعائق أمام السيطرة على موقع مرتفع تمهيداً لإقامة حزام استيطاني يخنق جنوب نابلس.



معركة وجود حقيقية

وقال الصحفي في "التلفزيون العربي"، أدهم مناصرة، إن المستوطنين يركزون على المرتفعات لأسباب عسكرية واستيطانية، مشيراً إلى أن المستوطنات تُقام عادة على أعالي التلال.

وأضاف أن الجبال تمثل عموداً رئيسياً في مشروع الاستيطان وخنق المحافظات، معتبراً أن ما يجري في قصرة يختزل "معركة وجود حقيقية" قبل نحو شهرين ونصف من انتخابات الكنيست.

وأوضح أن هذه التحركات تهدف لتكريس البؤر على نحو يصعب تغييره وفرض وقائع على الأرض.



مخطط استيطاني لاحتلال القرى

من جانبه، يرى الناشط في مواجهة الاستيطان، بشار القريوتي، أن ما جرى ويجري في جالود وقصرة وبيت أمرين، ليس مجرد اعتداء عابر ينفذه مستوطنون ولم تستطع قوات العدو وقفه، وإنما هو مخطط استيطاني لاحتلال القرى وتهجير سكان كل منزل يقع بعيدا عن تجمع البلدة.

ويؤكد القريوتي لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاستيلاء على المنازل وحصارها، هي سياسة متفق عليها ما بين الجيش والمستوطنين وحكومة العدو، هدفها تضييق الخناق على القرى، وتحويلها إلى "كنتونات" مغلقة، والاستيلاء على المنازل التي تقع خارجها، بحيث لا يتبقى أي معيق أمام ربط التكتلات الاستيطانية ببعضها.

واستقطب حصار قصرة اهتماماً أمريكياً بعد تبين أن إحدى العائلات تحمل الجنسية الأمريكية.

وبحسب "رويترز"، بدأت واشنطن الاحتجاج بعد علمها أن منزل فلسطيني أمريكي من بين المنازل المحاصرة.

وفي ردود الفعل الدولية، حذر مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من خطر تهجير 3 عائلات تضم 15 شخصاً بينهم طفلان.

وقال المكتب في تدوينة على منصة "إكس" رصدتها وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، إن العائلات تعيش حالة رعب بعد قطع المياه والكهرباء، مؤكداً أن ممارسات المستوطنين بدعم من قوات العدو تهدف لإجبارها على المغادرة.

ووصفت المقررة الأممية، فرانشيسكا ألبانيز، الواقعة بأنها "صادمة".

وأضافت في تدوينة على منصة "إكس" ، أنه لو كان الفلسطينيون هم من يفعلون ذلك بالإسرائيليين، لكانوا قد قصفوا إلى أشلاء بالفعل.

وتابعت: "لكن هذا في قصرة: الجناة إسرائيليون، لذا الإفلات من العقاب موروث".

ونددت فرنسا بالواقعة مطالبة "إسرائيل" بتوقيف الجناة. وقالت الخارجية الفرنسية: "تدين فرنسا بأشد العبارات احتلال مستوطنين لمنازل فلسطينية في قصرة والعنف المرتكب بحق المدنيين".

كما أدانت إسبانيا الحصار داعية لوقف أعمال العنف والترهيب ووضع حد لإفلات المستوطنين من العقاب.



تراجع عن الإخلاء وتبادل أدوار

وبلغت الأزمة مرحلة خطيرة مع إجراءات إسرائيلية استهدفت إخلاء العائلات، قبل أن يتراجع جيش العدو ويسمح للسكان بالبقاء.

وذكر موقع "قناة الغد" أن التراجع جاء بعد ادعاء جيش العدو أنه لن يعمل داخل منزل إحدى العائلات قرب خيمة أقامها مستوطنون.

وتتداخل في الأزمة أدوار المستوطنين وجيش العدو الاسرائيلي. فالمستوطنون أقاموا الخيام وسعوا لتثبيت بؤرة جديدة، بينما تولى الجيش فرض الإغلاق وإغلاق الطرق.

ولا ينفصل ما يحدث في قصرة عن التصعيد الصهيوني في الضفة.

فقد أجبر مستوطنون، اليوم الأربعاء، المواطنين الفلسطينيين على مغادرة مراعيهم شرق طوباس بالضفة الغربية.

ونفذت قوات العدو الإسرائيلي، اليوم، عدونًا عسكريًا، تضمن حملة دهم واسعة، في بلدة الظاهرية جنوبي مدينة الخليل، تخلله فرض حظر التجول وتخريب ممتلكات المواطنين الفلسطينيين واعتقال ثمانية فلسطينيين.

وقطع مستوطنون، أمس الثلاثاء، أعمدة الكهرباء عن منزل عائلة صوفان في بورين جنوب نابلس للمرة الثانية. وفي الأغوار الشمالية خربوا خط مياه في خربة سمرة، وفي رام الله أضرموا النيران في أراضي ترمسعيا.

ويشير محللون إلى أن عودة الاستيطان في شمال الضفة والتركيز على مسافر يطا يهدف لضرب ما تبقى من أراض قابلة للتنمية الفلسطينية، وقطع أي أمل في قيام كيان فلسطيني متواصل.

وتحذر منظمات حقوقية من أن أحداث قصرة تأتي ضمن تصاعد عمليات التهجير في الضفة، مشيرة إلى أن 64 تجمعاً فلسطينياً هُجرت بالكامل منذ أكتوبر 2023، إضافة لأجزاء من 15 تجمعاً آخر، مما أدى لتهجير أكثر من 4800 فلسطيني بينهم 2300 قاصر.