السياسية - وكالات:



في قطاع غزة، حيث حاصرت الحرب الأطفال حتى داخل غرف المستشفيات، يعيش إبراهيم عبد الله، البالغ من العمر خمسة أعوام، طفولة لا تشبه طفولة أقرانه؛ أربعة أيام من كل أسبوع يقضيها موصولًا بجهاز غسيل الكلى، بينما تقف شقيقته نعيمة، ذات الأعوام السبعة، على العتبة نفسها، بعدما هبطت وظائف كليتيها إلى نحو خمسة في المئة، في انتظار مصير قد يضعها أمام الجهاز ذاته في أي لحظة.

لم يعد المرض وحده ما يهدد الطفلين، فالحرب الصهيونية على قطاع غزة وما خلفته من نقص في العلاج والمستلزمات الطبية أغلقت أمامهما كثيرًا من أبواب النجاة، وحولت رحلة العلاج إلى سباق مع الوقت، فيما يحتاج كلاهما إلى مركز طبي متخصص خارج غزة قد يكون قادرًا على إنقاذ ما تبقى من وظائف الكلى.

يقول والد إبراهيم لصحيفة (فلسطين)، إن نجله يعتمد على غسيل الكلى منذ نحو ثمانية أشهر، وإن توقف الجلسات لمدة أسبوع أو أسبوع ونصف قد يؤدي إلى تدهور خطير في حالته، موضحًا أن حتى الغسيل الذي أصبح ضرورة يومية لم يعد متاحًا بسهولة بسبب نقص اللوازم اللازمة للأطفال.

ويشرح الأب أن الوصلة الدائمة المستخدمة لغسيل الكلى لدى الأطفال غير متوفرة في قطاع غزة، بينما تتوفر بعض لوازم الغسيل الخاصة بالبالغين، ما اضطر الأطباء إلى استخدام وصلة مؤقتة لإبراهيم، يجري تغييرها بين فترة وأخرى داخل غرفة العمليات.

ويقول: "إبراهيم تقريبًا ثمانية أو تسعة شهور بيغسل عليها، وكل فترة بتتغير، وكل أسبوعين أو ثلاثة بنضطر نروح غرفة العمليات عشان يعملوها، وحاليًا حتى هذا الأمر مش متوفر".

ولم تكن حالة إبراهيم عند ولادته بهذا التعقيد، إذ كان يتلقى علاجًا لمشكلة تكوّن الحصوات في الكلى، وكانت حالته مستقرة نسبيًا، قبل أن تتفاقم مع اندلاع الحرب، التي قطعت عنه جانبًا من العلاج والفحوصات والمتابعة الطبية اللازمة.

ويعاني الطفل من مرض فرط أوكسالات البول الأولي من النوع الأول (Primary Hyperoxaluria Type I)، وهو اضطراب وراثي نادر يؤدي إلى إنتاج مفرط لمادة الأوكسالات، ما يتسبب في تكوّن الحصوات والترسبات داخل الكلى، ويؤدي تدريجيًا إلى تراجع وظائفها وتلفها.
ومع وصول الكليتين إلى مرحلة الفشل، أصبح الغسيل جزءًا من حياة إبراهيم، لكن معاناة جسده لم تتوقف عند هذا الحد.

فمنذ نحو أربعة أو خمسة أشهر، تعرض الطفل لنزيف في الدماغ أدى إلى شلل في الجانب الأيسر من جسده، ويربط والده ذلك بارتفاع ضغط الدم الناتج عن تدهور وظائف الكلى.

اليوم، يرقد إبراهيم في المستشفى، ويحتاج إلى كرسي متحرك وبرنامج متخصص للتأهيل العصبي، بينما تنتظر أسرته فرصة لنقله إلى مركز طبي خارج غزة، يستطيع التعامل مع حالته المعقدة وتحديد العلاج الذي قد يمنحه فرصة جديدة للحياة.

وتحاول الأسرة التمسك بخيار زراعة الكلى، إذ بدأ الأطباء إجراءات فحص التطابق بين الأب ونجله، وأبدى الوالد استعداده للتبرع، فيما أظهرت فحوصات الدم وجود تطابق بينهما، لكن القرار النهائي بشأن الزراعة لم يُحسم بعد.

فطبيعة المرض الوراثي الذي أصاب إبراهيم تضع الأطباء أمام احتمالات أكثر تعقيدًا، إذ قد لا تكون زراعة الكلى وحدها كافية، وقد يحتاج الطفل إلى زراعة الكلى والكبد معًا، وفق تقييم الأطباء واستجابة جسمه للعلاج.

وبينما يحاول إبراهيم النجاة، تعيش شقيقته نعيمة الخوف ذاته، فهي مصابة بالمرض الوراثي نفسه، وقد تراجعت وظائف كليتيها إلى نحو خمسة في المئة، لتصل إلى المرحلة الخامسة والأخيرة من الفشل الكلوي.

ويقول والدها إن الأطباء أبلغوه بأن وضعها حرج، وإنها قد تحتاج إلى غسيل الكلى في أي لحظة مع استمرار تراجع وظائف الكليتين.

طفلان من غزة، يحملان المرض نفسه، ويواجهان الخطر نفسه، لكنهما لا يملكان داخل القطاع ما يكفي من الخيارات. فالمطلوب، كما يقول الأب، نقلهما إلى مركز متخصص خارج غزة، وإجراء الفحوصات اللازمة، وتحديد العلاج المناسب، وصولًا إلى الزراعة إذا كانت هي السبيل لإنقاذهما.

إبراهيم الذي كان يفترض أن ينشغل بألعاب الأطفال وحقائب الروضة، بات يحسب أيامه بعدد جلسات الغسيل، ونعيمة التي يفترض أن تكون منشغلة بمدرستها وأحلام طفولتها، تراقب وظائف كليتيها وهي تتراجع.

وفي غزة، لا يملك الأب رفاهية الانتظار، ولا يملك الطفلان وقتًا إضافيًا ليمنحاه للمرض. فإبراهيم ينتظر كليته الجديدة، ونعيمة تنتظر ألا تصل إلى جهاز الغسيل، وبين الانتظارين تقف حياة طفلين معلقة على فرصة للخروج من غزة والوصول إلى العلاج قبل أن يغلق المرض آخر أبواب النجاة. وربما يكون أقسى ما في حكايتهما أن إبراهيم ونعيمة لا يطلبان معجزة؛ كل ما يحتاجانه هو فرصة للعلاج، قبل أن تتحول أيام طفولتهما إلى ذكرى، وقبل أن يصبح الوقت الذي انتظراه طويلًا أكثر مما تحتمل كليتاهما.