لعب السياسة أم حرب الميادين.. أيهما سينجح في ظل واقع العالم؟
السياسية || علي مجمل حمزة*
تنجح الأمم المتقدمة في تعزيز قوتها العسكرية لتأمين مجتمعاتها وفرض كلمتها في مواجهة خصومها، يليه تطوير الموارد الغذائية والصناعية. وبعد أن تبلغ هذه المجتمعات مرحلة الاستقرار، تنطلق لفرض نفوذها على حساب الدول الأضعف التي تفتقر للقدرات العسكرية والتصنيعية، لتصبح مواردها مسخرة لخدمة القوى المهيمنة وفق مبدأ استغلال الموارد للحفاظ على التفوق.
أما في مواجهة القوى العظمى فيما بينها، فتتغير معادلة الصراع؛ فتتدخل الدبلوماسية والاجتماعات السياسية لتسوية مناطق النفوذ والسيطرة على مقدرات الدول التابعة تفادياً للصدام المباشر. وحين تتعارض المصالح، تندفع هذه القوى نحو المواجهة العسكرية عبر تشكيل تحالفات كبرى، وهو ما يفضي في النهاية إلى واقع تدميري شامل، كما حدث في الحرب العالمية الأولى وما أسفرت عنه من تقسيم للوطن العربي، وزرع الغدة السرطانية الصهيونية ومعها غدة آل سعود، والسيطرة على إفريقيا. وما إن تضع الحرب أوزارها، حتى تتكلم السياسة في تقسيم الغنائم بين الدول المشاركة كلا بما قدمه في الحرب.
ومع تطور الصراعات، تغيرت معادلة الصراع في الحرب العالمية الثانية، فكانت الخسائر فادحة على كل القوى العالمية، وطمعت الدول في السيطرة على ما أخذته الدول الأخرى، فتغيرت المعادلة بشراء الولاءات داخل الدول بدعم تيار الاستقلال في الدول المحتلة مع ضمان التبعية وعدم التدخل المباشر حفاظاً على المعاهدات المبرمة بين الدول العظمى. هذه اللعبة كانت معروفة ومفهومة في خفايا أروقة الحوارات الدبلوماسية، فتقوم الدول الأخرى بنفس النهج شراء الولاءات، وكل هذا الصراع الخفي ومن يدفع الثمن؟ هم أصحاب الأرض المتنازع عليها في أخذ ثرواتهم وخراب ديارهم وتركيزهم على النضال لنيل الاستقلال وهو وهم الحرية والتغيير في ظل خروج محتل عسكري إلى الرضوخ لحليف دبلوماسي يسيطر على الحكومة والشعب وثرواتهم والعنوان أنكم دحرتم المحتل هذا كله.
من دفع الثمن الأكبر هي فلسطين؛ لأنها خرجت من محتل عسكري إلى محتل عسكري وحشي يعتمد على تصفية أهل الأرض وأخذ أراضيه، ولم يكتفِ بل استطاع السيطرة على الأراضي المجاورة لتوسيع سيطرته بدعم كوني من الدول العظمى التي جمعت كلمتها في نبذ النزاعات المشتركة لدعم الكيان الصهيوني. هل تم لهم هذا؟
في ظل زهرة الانتصارات وتحديد السيطرة وإقصاء الدول المهزومة ممثلة بالاتحاد السوفيتي وفكفكته، استطاعت هذه الدول وبجهد كبير تحسين قدراتها العسكرية والاقتصادية لتغيير معادلة البسط على العالم، وحددت لها مكاناً. لكن ما تختلف عنه هذه القوى هو تكوينها تحالفات مصالح مشتركة ضد المهيمنين على موارد العالم؛ نجحت هذه الدول ممثلة في الصين وروسيا وإيران حين استطاعت دعم بعضها البعض، فقامت بتسخير قواها العسكرية بمنح المعلومات في التصنيع العسكري للدول الضعيفة التي نشأت فيها فصائل مقاومة للقوى المتحاربة مع العدو الصهيوني الذي ظن أن لا تتجرأ أي قوة على إيقاف تقدمه ومحاولة السيطرة على الأراضي العربية وبناء كيان مسخر له كل القوى العسكرية واللوجستية.
هذه القوى المناهضة للصهيونية استطاعت بناء قوى عسكرية وتطويرها بشكل منفصل عن تدخل عسكري من أي دولة حليفة، فقط استعانت بمعلومات الصناعة العسكرية وتفكيك السلاح وفهم تركيبه ونسخه وتطويره إلى أن وصلت في ابتكار أسلحة نوعية من خلالها تغيرت المعادلة ولعبة القوى وأوقفت تقدم القوى الصهيونية، والآن تفرض سطوتها على كل الساحات وأصبحت هي من تحاصر الدول العظمى التي لم تقدر على إعادة سيطرتها بعد أن استعرضت قواها وحاربت الدول المناهضة لها وفشلت في البر والبحر والجو وتفاصيلها معروفة للمتابع على أرض الواقع.
ختاماً؛ فإن الاستسلام للحوار والدبلوماسية بدون قوى عسكرية لا يصنع معادلة وقاعدة تستطيع فيها الدول أخذ حقها. لقد جُربت الحوارات على مدار سنوات طويلة لم تخدم فيها الدول نفسها، والشاهد على هذا ما يحصل لفلسطين التي دخلت في المفاوضات ولم تستطع إيقاف الاستنزاف البشري على شعبها، وأراضيها التي أخذها الصهاينة بني عليها مستوطنات عانى منه كل الشعب الفلسطيني، إلى أن غيرت القوى الضعيفة معادلتها ومشت على ركاب قوى المقاومة فأوقفت بالنضال العسكري في 7 أكتوبر كل خطط الاستيطان والتصفية العرقية، ولم يكن هذا سهلاً ولكنه صنع الفارق.
وعليه، فإن قوى المقاومة العربية في الدول التي غيرت معادلة الردع يجب أن تنهج نهجها كل الدول التي لا تزال تحت الوصاية الغربية بنهوض شعوبها والوقوف أمام من يحكمها ويتبع من يأخذون ثرواتهم ويقومون بحربهم وانتزاعهم، وهذا ليس صعباً طالما وجدت الإرادة وسيأتي من يوجههم لأخذ حقوقهم، وهناك في الميدان الآن من يساعد على ذلك فقط عليهم التواصل مع هذه الدول لتساعدها على انتزاع حقوقها.

