تزامن المولد ومواجهة التحديات: بين استلهام النور واستعادة السيادة اليمنية
د. شعفل علي عمير*
تأتي مناسبة المولد النبوي الشريف في اليمن هذا العام، وهي تحمل في طياتها دلالات تتجاوز حدود الاحتفاء المعتاد، لتجسد تلاحمًا وثيقًا بين البعد الروحي والمسار الوطني؛ ففي الوقت الذي يستعد فيه الشعب اليمني لاستقبال هذه المناسبة الجامعة، يتشكّل المشهد على قاعدةٍ من الوعي المتجدّد الذي يربط بين القيم الإيمانية الخالدة، وبين معركة التحرر واستعادة الأرض والسيادة والثروات المنهوبة.
الاحتفاء بذكرى مولد نبي الرحمة لا ينفصل عن واقع الأمة ومعاناتها؛ فهو يمثل محطة للتزود بالقيم التي تأمر بالعدل ورفض الضيم، ومن هذا المنطلق، يحرص الشعب اليمني على إعطاء هذه المناسبة أبعادًا مضاعفة؛ فالبعد الديني يغذّي الصمود الروحي والأخلاقي، بينما يترجم البعد الوطني هذا الصمود إلى خطوات عملية تهدف إلى إنهاء أشكال الوصاية كافة، واستعادة القرار السيادي المغتصب، وضمان ذهاب ثروات البلاد لصالح أبنائها الذين يعانون من ظروف اقتصادية بالغة القسوة.
والتزامن بين ذكرى "مولد النور" وارتفاع مستوى الوعي الوطني يشكّل حافزًا قويًا نحو تجسيد الحكمة اليمانية في أبهى تجلياتها، من خلال الثبات والصمود في الميدان، والتمسك بالحقوق المشروعة، والإصرار الذي لا يتزعزع على تأسيس دولة مستقلة تسير بزمام أمرها وقراراتها وثرواتها.
وتتجلى في هذا السياق الرؤية الفكرية والإيمانية التي أسس لها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- في ملازمه حين أكّد على مراد الله عز وجل للأمة ومصدر عزتها؛ فقد أشار إلى أن الله جل وعلا "يريدنا أن نكون أعزاء، يريد أن نكون أقوياء، وأن نكون كرماء، وأن نكون شرفاء، لكنه هو وحده من سيمنحها.. لمن؟ لمن يسيرون على هديه"، وهذا المفهوم المحوري يوضح أن القوة والكرامة والاستقلال هي هبات إلهيّة وتتويج عملي للمتمسكين بهديه الماشين في طريق الحق، والمواجهين لمشاريع الهيمنة والوصاية.
وهُنـا تكتسب الممارسات والخيارات العسكرية دلالتها من كونها أداة لفرض التوازن؛ فالعمليات العسكرية التي تجري لردع العدو السعودي وتحشيداته؛ تأتي كردٍّ مشروع نتيجةً للحصار المفروض، ومواجهة مباشرة للحشود والتحركات المستمرة لأدواته الميدانية، ولم تكن هذه الخيارات يومًا لمجرد التصعيد، وإنّما فرضتها استحقاقات الدفاع عن النفس وسعي الشعب اليمني لكسر حالة الحصار الاقتصادي والعسكري المفروضة عليه منذُ 12 عامًا.
ولأن العدو السعودي قد فرض على نفسه مسار إلحاق الضرر بالشعب اليمني واستمرار معاناته عبر الحصار والضغط الاقتصادي؛ فإن الاستحقاق الميداني والسياسي الراهن يحتم عليه تقبل واقع جديد؛ واقع يجعل من الصعب جدًا أن يبقى طرف في مأمن بعيدًا عن ألسنة الحرب بينما يكتوي اليمنيون بأزمات الحصار والفقر وقطع المرتبات، واستقرار المنطقة بات معادلة متكافئة لا يمكن تجزئتها، وعلى العدو السعودي أن يدرك تمامًا أنه لا يمكن تحقيق السلام لطرف على حساب معيشة وأمن طرف آخر.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

