نبيل الجمل*

حين تُصاغ المفاهيم لتمويه الواقع، يصبح الموت اليومي مجرد تفصيل هامشي في ظل ما يُسمى رسمياً بـ "وقف إطلاق النار". في هذا الفضاء الفاصل بين الصمت والدمار، تتحول المأساة إلى جدول زمني منتظم يُقاس فيه الألم بالدقائق والأطفال الراحلين، ليكون السلام المفترض مجرد واجهة لإعادة تدوير العنف وشل حراك الحياة، بينما يصارع المتبقون للإمساك بآخر خيوط الأمل وسط الحصار والركام.

وفقًا لوزارة الصحة في غزة، قُتل 1,185 فلسطينيًا وأُصيب 3,816 منذ الإعلان عن ما يُسمى "وقف إطلاق النار" في 10 أكتوبر 2025.
هذا يعني مقتل أو إصابة فلسطيني واحد تقريبًا كل ساعة و20 دقيقة: لمدة تسعة أشهر متواصلة.

وحتى 19 يونيو، قُتل أكثر من 265 طفلًا وفقًا لليونيسف. ولا تزال قوات الإحتلال الإسرائيلية تنفذ غارات يومية في جميع أنحاء غزة، بينما تواصل توسيع مناطق سيطرتها كل يوم.

بعد تسعة أشهر، لا يزال الفلسطينيون ينتشلون الأطفال من تحت الأنقاض في غزة. ولا تزال العائلات تدفن موتاها. والمساحة التي يُتوقع أن يعيش فيها مليوني شخص تقلصت إلى أقل من ثلث مساحتها قبل ثلاث سنوات.
هذا ليس وقف إطلاق نار: إنه نفس العنف الهيكلي والوحشي ولكن باسم مختلف.

إنه استمرار للإبادة الجماعية، تمت معايرته ليكون عنيفًا بما يكفي لإبقاء معاناة الفلسطينيين مستمرة كل يوم، وصامتًا بما يكفي لتجنب إثارة الغضب الدولي.
هذا "وقف إطلاق نار" لا يزال يقتل، ويحاصر، ويمنع وصول المساعدات. لا يقوم بتفكيك آليات العنف؛ بل يُطبع استمرار تجاهل أرواح الفلسطينيين.

وسط حالة عدم اليقين والعنف المستمر، يواصل الفلسطينيون تشغيل المستشفيات الميدانية، وعلاج المرضى المصابين، وتقديم الدعم النفسي، وتوزيع المياه وتقديم الرعاية الصحية العامة لأهالي غزة، ومن هذا الصمود الغزاوي والفلسطيني سيثمر عاجلاً أم آجلاً تحرير الأرض وزوال الكيان المزعوم .

* المقال يعبر عن رأي الكاتب