ابن خلدون والدولة السعودية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في كتابه الشهير "المقدمة"، يرى ابن خلدون أن للأنظمة العائلية عمراً افتراضياً لا تستطيع تجاوزه مهما بلغت قوتها؛ لكونها لا تستند إلى شرعية فعلية، وإنما إلى قوانين وشرائع تتغير بتغير المصالح والظروف الخاصة بالحاكم أو الأسرة بشكل عام. وإذا ما أسقطنا هذه المقاربة على الدولة السعودية، التي استوت على الجزيرة العربية عام 1932، نجد أننا اليوم في قلب "العقد العاشر" الفاصل؛ حيث يتسلم جيل "الأحفاد" مقاليد السلطة المطلقة، متجاوزين منطق "العصبية" التقليدي.
قسّم ابن خلدون عمر الدولة الافتراضي (الذي يقدره بنحو 120 عاماً) إلى ثلاثة أجيال رئيسية، يمثل كل منها مرحلة تطور طبيعية: (البداوة، التحضر، ثم الانهيار). وتعتمد هذه الدورة على قوة "العصبية" (التضامن القبلي) التي تضعف تدريجياً مع الانتقال من حياة البداوة القاسية إلى حياة الترف، مما يؤدي إلى سقوط الدولة في جيلها الثالث.
الجيل الأول (جيل التأسيس): هو الجيل الأقوى والأكثر تلاحماً، يتسم بالبداوة والخشونة، ويتوسل بالقوة وإرادة التغلب لفرض هيبته. وهو الجيل الذي يحمي نفسه بنفسه، ولا يعرف ترف المدن وهشاشة الاستقرار بحسب توصيف ابن خلدون. ويتجلى هذا الطور في مؤسس الدولة السعودية ورفاقه الذين نجحوا في التأسيس عبر القوة العسكرية المفرطة لإذعان الخصوم، ومن ذلك "مجزرة الطائف" التي بوشر بها حكم الحجاز، والتي راح ضحيتها الرجال والنساء والأطفال، ثبتت الدولة أركانها حينها معتمدة على التفسير المحرف للدعوة الوهابية كوسيلة للبطش والقهر.
أما الجيل الثاني: فلا يستطيع الاستمرار في الحكم بنفس العقلية؛ فهو جيلٌ وُلد في القصور ونشأ في الترف، وبالتالي لا يقوى على حماية نفسه بنفسه. وللحفاظ على رفاهيته، يبحث هذا الجيل عن "طرف خارجي" لحمايته، وغالباً ما يكون هذا الطرف أجنبياً لا من أركان الدولة التقليديين؛ لأن الاعتماد على العصبية يكون قد تلاشى تدريجياً نتيجة انفراد الحاكم بالرأي.
وفي الحالة السعودية، كان الجيل الثاني (بدءاً من الملك سعود) هو الجيل المترف الذي تخلى عن قواعد الحكم التقليدية ولجأ إلى الغرب لحماية ملكه مقابل الانغماس في الملذات، وخلال هذه الفترة عمل أبناء عبد العزيز على إقصاء أبناء العمومة والشخصيات التي رافقت الرعيل الأول في التأسيس.
وصولاً إلى الجيل الثالث (جيل محمد بن سلمان): حيث يُنسى عهد البداوة تماماً، ويسود الترف الباذخ، وتندثر "العصبية" نهائياً، فتصبح الدولة عاجزة عن الدفاع عن نفسها وتعتمد كلياً على "المرتزقة"، وينتهي هذا الطور بضعف الدولة وسقوطها. يتسم هذا الجيل بالإسراف والمجاهرة بالملذات وفقدان العوامل المؤسسة للدولة.
فالدولة السعودية التي قامت على (العصبية الوهابية) و(عصبة دم آل سعود)، يقود الأمير الشاب اليوم عملية تفكيك لهما؛ إذ تحول الانتماء لآل سعود من مصدر فخر إلى تهمة بعد إقصاء الأعمام وأبنائهم، وزج "أهل الحل والعقد" في السجون أو المنافي. كما حل السلطة الدينية التقليدية واستبدل بها جهات تجاهر بما كان يُعتبر سابقاً "فسوقاً ورذيلة".
ووفقاً لابن خلدون، فإن هذا "الانفراد بالمجد" يمثل المرحلة الأخيرة، حيث يُستبدل الولاء الطبيعي (العصبية) بولاء قائم على المال والمنفعة، وهو ولاء هش يزول بزوال المورد.
وهذا كله لا ينطبق على "الدولة الرسالية" لو كانت إسلامية بالفعل؛ لأن التعصب للدين يفرض ولاءً مطلقاً لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقوم على ثلاث ركائز: (المنهج، القيادة، الأمة).
فالمنهج يحدد القيادة الدينية التي تضحي بمصالحها من أجل الأهداف الكبرى ومناصرة أبناء الملة، وهذا لا ينطبق على آل سعود الذين لم يتعصبوا للإسلام في نصرة المستضعفين بفلسطين، بل تحولوا إلى خنجر في خاصرة الأمة لصالح أعدائها.
وفي سياق هذه الهوية، نستذكر قصيدة الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) عام 1936، التي كشف فيها تناقضات الملك السعودي عبدالعزيز وحقيقة ولائه للإسلام والمسلمين:
انشُر على لَهَبِ القصيدِ .. شكوى العبيدِ إلى العبيد
وأذلُّهم "وعدُ اليهودِ" .. ولا أذلَّ من اليهودِ
إني لأرسلها مجلجلةً .. إلى المَلِكِ السعودي
أستارُ "مكةَ" كيف تُسدلُها .. على الخصمِ اللدودِ؟
لن تطهرَ الدنيا وفيها .. الإنجليزُ على صعيدِ
أمحللاً ذبحَ القريبِ .. أمحرماً ذبحَ البعيدِ؟
تلهو بصيدك لا أبالك .. في السهولِ وفي النجودِ
والأهلُ أهلك يُقتلونَ .. وينثرونَ على الجرودِ
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

