القرآن الكريم كتاب سياسي
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لو خاطب الله سبحانه وتعالى العرب في كتابه بلغة العلم لما آمنوا ولما فقهوا منه شيئاً، فالعرب ليسوا من أهل العلوم التطبيقية، وحتى حديثهم عما يسمونه بـ"الإعجاز العلمي" في القرآن الكريم يكشف الكثير من جهلهم بالأمور العلمية، كما أن الكثير منهم لا يزال يؤمن بأن الأرض مسطحة وبأن الخوض في بعض المجالات، مثل الكيمياء، ضربٌ من السحر، ولا غرابة أن ترى المختصين في تلك العلوم يتجنبون الحديث عنها أمام العامة كي لا يتعرضوا للنقد والتكفير والاتهام بالجنون.
والإعجاز لا يكون إعجازاً إلا إذا خاطب عامة الناس في أمرٍ يدركون تفاصيله، كالطب في زمن سيدنا عيسى عليه السلام، والذي يُقال بأنه كان متقدماً في حينها فكانت معجزاته أقرب إلى هذا المجال لكي يدرك الناس كافةً عظمة هذا النبي ويؤمنون به، وكذلك كان الحال بالنسبة لسيدنا موسى فقد كان الإعجاز الإلهي أن يُبطل السحر الذي كان رائجاً بين الناس في تلك المرحلة، وهكذا بالنسبة لسائر النبيين عليهم السلام.
وبالنسبة للعرب، فالسياسة هي الميدان الوحيد الذي يفهمونه ولا يتوقفون عن الحديث فيه، فلا تكاد ترى اثنين أو أكثر من العرب، حتى لو من كبار السن أو من عجائز الحي، إلا وهم يتعاطون في السياسة وينظرون في كل شؤونها وينصحون قادة العالم بفعل كذا وكذا، فمن يتفق معهم في الرأي فهو نبيه وألمعي وله قصب السبق في هذا الميدان، ومن لا يتفق معهم فهو دونهم في التفكير ولا يرون فيه أهلاً ليكون جزءاً من مسامراتهم ودردشاتهم المزمنة، وانشغالهم المبالغ فيه بالشؤون السياسية يكشف عن فراغ كبير في حياتهم من الناحيتين الذهنية والعملية.
ولأنهم كذلك، ولأن سنة الله في الهداية الرحمة، وحتى لا يكونوا مسخرة الشعوب، منّ الله عليهم بكتابٍ يشرح كل تفاصيل السياسة وكيف ينبغي أن يتعاطوا معها، وحتى كيف هي القيادة التي ينبغي أن يتبعوها ومن الأخرى التي لا يجوز الاقتداء بها، فالقرآن الكريم كتاب سياسة بامتياز، ويكفي أنه يخاطبنا اليوم وكأنه أُنزل في عصرنا الحاضر لا قبل 1400 سنة، ومن الغباء المفرط أن يخوض العرب في السياسة، التي يفهمونها جيداً، قبل أن يقتدوا بهدى القرآن في هذا الاختصاص الذي له تأثيره الكبير حتى على حياتهم الخاصة.
وكما نرى في عالم اليوم، فإن الإمبريالية الصهيوأميركية هي من تحكم العالم بالترغيب أو الترهيب، وحكمها هذا جلب العار والدمار للعالم العربي، حتى أولئك الموالين لها من أبناء جلدتنا، فهي من تقرر عنهم وتزج بهم في حربٍ ليست حروبهم، ثم تجبرهم على دفع تكاليفها، وقبل ذلك تفرض عليهم رؤيتهم السياسية وخطابهم الإعلامي، وتحدد لهم من العدو ومن الصديق، وغير ذلك من الأمور التي تقودهم إلى الهلاك.
وقد أثبتت واشنطن، ومعها تل أبيب، أنهما من أسوأ الحلفاء على الإطلاق في هذا العالم، وعليهما بالذات ينطبق حديث القرآن الكريم عن أهل الكتاب الذين لا يودون للعرب خيراً وسيظلون على حقدهم الديني مهما قدمنا لهم من تنازلات، ولذلك يقول جل من قائل: {هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.
وقبلها وفي نفس السياق، حذر من التعاطي معهم في أمور الإدارة أو اتخاذهم كمستشارين في حكوماتهم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}.
فالتعاطي معهم يجلب الفساد بكل أشكاله، وما هيئة الترفيه وما سبقها من انحلالٍ أخلاقي في عالمنا تحت عناوين مثل التقدم والتحضر، هو نتاج الاتباع المطلق لآرائهم واستشاراتهم، ومن المعروف أن أغلب الحكومات العربية تتعامل بقداسة مع كل ما يأتي من الغرب، ويرون في قيمهم المنحلة معياراً للصواب من الخطأ، وهذا من المخالفة الصريحة لكتاب الله، فلا يجوز بأي حال أن نستمع لهم وقد رأينا مواقفهم المتطرفة وحتى المجازر المروعة بحق الكثير من أبناء الأمة.
والأدهى من ذلك، أن الله اعتبر التبعية لهم بأنها النفاق بعينه وتوعد المسارعين فيهم بالعذاب الأليم، وهكذا هو تعريف النفاق في النص القرآني: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
فكل أشكال التبعية لهم هي من النفاق، وهذا مما يتجلى في أغلب الأنظمة العربية في هذا العصر، فكلها تسارع للتطبيع ولتقديم التنازلات للإمبريالية الغربية، وترى في ذلك وسيلة للقوة والمنعة والبقاء لأطول فترة في الحكم، وفي تبعيتهم تلك هلاكهم وزوال عروشهم، وقد رأينا كيف يتخلى الغرب عن أدواته من الحكام ويتخلص منهم عندما تقتضي مصلحته ذلك.
إلا أن فريقاً من العرب تجاوزوا كل مستويات النفاق وباتوا ينفقون من أموالهم على المشاريع الغربية ويتنافسون في ذلك، فمن يقدم تنازلات أكبر يرى بأنه أعز من الآخرين، وهذه الصفة تنطبق خصوصاً على حكام الخليج، فهم الأعراب الذين تحدث الله عنهم في كتابه وحذر من اتباعهم لأنهم لا يستحقون حتى أن يتعلموا، فكل تعليمهم يتحول إلى إضرارٍ فعلي لأبناء الأمة، فقال جل من قائل: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
ومن يشكِّك بأن دول الخليج ليسوا من الأعراب المذكورين في القرآن فلنعد إلى ما صح عن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، عندما تحدث عن علامات الساعة ومنها: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، وكأنه يخبرنا عن برج خليفة وبرج المملكة وبرج الشعلة، وذلك من التطاول أي التنافس في بناء الأطول من البنيان، فصدق الله سبحانه وتعالى وصدق رسوله الكريم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

