من قال حزب الله تحطّم وانتهى ؟
طوفان الجنيد*
كثيرةٌ هي التكهّنات والتصريحات التي راحت تتردّد في الآونة الأخيرة، لا سيّما بعد الضربات الموجعة التي تعرّض لها حزب الله منذ بداية معركة طوفان الأقصى، وعلى مدى ثلاثة أعوام من المواجهة والنزال مع العدو. وفي هذا التصعيد الأخير، ذهب بعض المحلّلين والسياسيين إلى القول إن الحزب «تحطّم» أو «أوشك على الانتهاء»، وإن قدراته تراجعت بشكلٍ كبير.
لكنّ الأرقام تتحدّث عن نفسها. فوفقاً لبيانات المقاومة وما وثّقه الإعلام العبري، ومنذ الثاني من مارس/آذار 2026، أعلن حزب الله عن تنفيذ 967 عملية عسكرية، استهدفت ما لا يقل عن 20 دبابة ميركافا، وأجبرت سكان مستوطنات الشمال على الاحتماء بالملاجئ 16 مرة خلال ليلة واحدة فقط في مدينتَي عكّا وخليج حيفا. هذه الأرقام ليست مجرّد إحصاءات، بل دليلٌ ملموس على أن الحزب لم ينهَر، وأن غرفة عملياته لا تزال تعمل بكفاءة عالية.
أولًا: التكتيك العسكري الذي أربك العدو:
لم يعد مشهد الدبابة الإسرائيلية وهي تشقّ طريقها جنوبًا كما كان قبل عقود. ففي معركة «البأس الشديد»، طوّر حزب الله تكتيكًا هجينًا غيّر قواعد الاشتباك:
أولًا: استخدام المسيّرات الانتحارية من منظور الشخص الأول (FPV)، التي لا تتجاوز كلفتها بضع مئات من الدولارات، لاستهداف دبابة «الميركافا» التي يبلغ ثمنها ما بين 6 و10 ملايين دولار. تُدار هذه المسيّرات من داخل تحصينات بعيدة، وتبحث عن نقاط الضعف في الدبابة، ولا سيّما الفتحات العلوية والمؤخرة حيث يكون الدرع أضعف.
ثانيًا: تحويل الصواريخ الموجّهة، مثل «ألماس» و«كورنيت»، إلى أسلحة كمائن. فبدل إطلاقها من مسافات بعيدة، تُنصَب الكمائن في مناطق وعرة كبلدات القنطرة ودبل والبيّاضة، حيث تُستهدف الدبابات أثناء المناورة في الأودية أو عند نقاط العبور بين التلال.
ثالثًا: اعتماد الدفاع المرن، الذي لا يتمسّك بالأرض بقدر ما يتمسّك بالأرواح:
ينسحب المقاتلون بعد تنفيذ الكمين، ثم يعودون من محور آخر بعد ساعات، ما يحرم العدو من «الاشتباك الثابت» الذي تتفوّق فيه قوّاته الجوية.
ثانيًا: الضربات الصاروخية التي تجاوزت خطوط الدفاع:
في ليلة 29 مارس/آذار 2026، تجاوز حزب الله الخطوط الحمراء التي رسمها العدو لجبهة الشمال. لم تعد الصواريخ تقف عند مستوطنات الجليل، بل توغّلت في العمق، مستهدفة:
· قاعدة رغفيم العسكرية، ومعسكر تدريب لواء «غولاني» جنوب حيفا (نحو 65 كم عن الحدود).
· قاعدة عين شيمر، مقر الدفاع الجوي الصاروخي شرق الخضيرة (نحو 75 كم عن الحدود).
· قاعدة دادو، مقر قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي.
وهذا يعني أن ما يقارب 1.5 مليون مستوطن باتوا ضمن مرمى النيران. ولم تكن الضربات عشوائية، بل نوعية، باستخدام صواريخ «فلق» و«زلزال» بعد تطويرها إلى صواريخ موجّهة، إلى جانب صواريخ «ألماس» المضادّة للدروع، التي أثبتت فاعليتها حتى في مواجهة الميركافا الأكثر تحصينًا. اللافت أن وتيرة الإطلاق لم تتراجع رغم القصف المكثّف؛ ففي ذروة المعركة أُطلِق أكثر من 60 صاروخًا ومسيّرة يوميًا، ثم تضاعف العدد بعد يومين فقط.
ثالثًا: العمليات المشتركة مع الحرس الثوري الإيراني:
وكأنّ القدرات الذاتية للحزب لم تكن كافية، كشفت معركة «البأس الشديد» بُعدًا إضافيًا تمثّل في التنسيق العملياتي المباشر مع الحرس الثوري الإيراني.
فوفقاً لتسريبات عسكرية غربية وتصريحات لبنانية غير مباشرة، فإن عناصر من «فيلق القدس» كانوا موجودين في غرف العمليات المشتركة، وأشرفوا على استخدام مسيّرات متطورة استهدفت مواقع بعيدة، وصل بعضها إلى عمق القاعدة البريطانية في قبرص.
هذا التعاون لم يقتصر على التخطيط، بل شمل الصناعة العسكرية أيضًا. فمسيّرات «شاهد 101» و«شاهد 136» التي ظهرت في مقاتلات الحزب، إما إيرانية الصنع أو منتجة محليًا بتقنيات مرخّصة، مما يعني أن سلسلة الإمداد لم تنقطع رغم الحصار والضربات الجوية المكثفة. وقد عزّز هذا التوجه ما أقرّ به رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ضمنياً من وجود «خبراء إيرانيين» على الأراضي اللبنانية، في إشارة إلى البعد الإقليمي للمعركة.
رابعًا: خسائر الكيان الصهيوني:
في المقابل، بدا المشهد داخل الكيان مختلفًا تمامًا. فحتى الاعترافات الصادرة عن الإعلام العسكري الإسرائيلي كشفت حجمًا كبيرًا من الخسائر:
· مقتل 9 جنود بينهم ضابطان في يوم واحد (29 مارس)، بعضهم بنيران صديقة بعد سقوط قذيفة إسرائيلية داخل إحدى المستوطنات.
· إصابة مقرّ لقوّة «اليونيفيل» في الناقورة، بما عكس فشل الجيش الإسرائيلي في ضبط الميدان.
· شلل شبه كامل في الشمال، حيث دُقّت صفّارات الإنذار 16 مرة خلال ليلة واحدة في عكّا وحيفا.
· إغلاق ميناء حيفا لأيام متتالية، وتوقف حركة الملاحة الجوية في مطار رامون نتيجة التهديد الصاروخي المباشر.
والأخطر من ذلك، هو التحوّل في الإدراك الإسرائيلي نفسه. فما بدأ كـ«حرب قصيرة وحاسمة» انتهى باعتراف ضمني بأن حزب الله بات «معضلة استراتيجية»، وأن عدم هزيمته يُعدّ بحدّ ذاته فشلًا عسكريًا وسياسيًا. فقد أقرّ محللون عسكريون إسرائيليون بأن «حزب الله ليس تنظيماً يمكن تفكيكه بضربة، بل هو فكرة وجمهور وإرادة».
خامسًا: فشل الرؤية الإسرائيلية وعودة السيرة الأولى… بل أقوى:
من هنا، تبرز خلاصة بات يقرّ بها اليوم حتى محلّلون إسرائيليون: الرؤية الإسرائيلية فشلت فشلًا ذريعًا.
فقد قامت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على فرضية مفادها: «اضربوا القيادة، دمّروا الترسانة، تنهَر القدرة».
لكن الواقع أثبت العكس تماماً.
فبعد استشهاد الأمينين العامين السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين (قدّس الله سرّهما)، وبعد تدمير مئات الأهداف، وشهور من القصف المكثّف، لا يزال حزب الله يطلق الصواريخ، وينفّذ الكمائن، ويُسقِط المسيّرات، ويصدر بياناته اليومية بثبات. بل إن عدد بيانات المقاومة وحدها تجاوز 967 بياناً في أقل من شهر، وهو رقم يعكس أن غرفة العمليات لم تصمت لحظة واحدة.
بل إن الحزب عاد إلى سيرته الأولى في حرب تموز 2006، بل تجاوزها بوضوح. ففي 2006 كانت صواريخ الكاتيوشا تبلغ حيفا بالكاد (نحو 40 كم)، أمّا اليوم فتصل إلى الخضيرة وعمق 75 كيلومتراً، وتخترق المسيّرات أجواءً أعمق من ذلك. وفي 2006 كانت المواجهة لبنانية – إسرائيلية حصراً، أمّا اليوم فتفتح العمليات المشتركة مع الحرس الثوري آفاقاً استراتيجية جديدة، وتحوّل المعركة إلى جبهة إقليمية مفتوحة.
لقد أثبت حزب الله أنه ليس تنظيمًا يُفكَّك بضربة استباقية، بل مشروع مقاومة متجذّر في الأرض والعقيدة والإرادة. مشروع:
· إذا سقط قائد، قام آخر.
· وإذا دُمّر سلاح، وُلد بديل.
· وإذا استُشهد مئة، جاء ألف.
نسأل الله العلي العظيم أن يثبّت أقدامهم، ويشدّ أزرهم، ويسدّد رميتهم، ويمنحهم النصر، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾
وأمّا الحكومة اللبنانية، فلتُدرك أن من يقاتل بهذه الصلابة لا يُترك وحيدًا في ساحة السياسة؛ فإمّا أن تكون مع إرادة تحمي لبنان، أو أن يُسجّلها التاريخ في خانة المتفرّجين.
والله المستعان.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

