السياسية || محمد محسن الجوهري*


من مصلحة إيران أن تستمر الحرب لأطول فترة ممكنة، بعد أن خسر أعداؤها زمام المبادرة وتحولوا من الهجوم إلى الدفاع، وبعد أن اتضحت الصورة للجميع بأن الولايات المتحدة أضعف بكثير مما تصورنا، وها هي اليوم تعجز عن حماية حلفائها في الخليج، وعوضاً عن ذلك تسعى للزج بهم في المعركة نيابة عنها.

ما قبل الحرب كانت إيران في وضعية صعبة للغاية؛ فالعقوبات الاقتصادية والحرب الإعلامية جعلت منها دولة هشة سهلة الكسر، أو هكذا كنا نراها بسبب قتامة الصورة التي رسمتها الآلة "الصهيوخليجية" عنها. وما إن ابتدأت الحرب حتى عادت إلى مكانتها الطبيعية وبأنها دولة عظمى ولها الصولة في الخليج ومضيق هرمز رغماً عن الجميع. ولولا الحرب أيضاً ما عرفنا هشاشة الأنظمة الخليجية التي كانت تصارع إيران وتظن أنها بمستواها من القوة والهيبة.

ومهما حققت واشنطن من انتصارات إعلامية بالتعاون مع أدواتها الإقليميين، فالحقيقة هي بخلاف ذلك تماماً؛ فعصا السبق بيد طهران، ومن الصعب على خصومها تحقيق أي انتصارات إضافية، خاصة وأن إيران كيان طبيعي له جذوره التاريخية في المنطقة، فيما أعداؤها يعانون من أزمات وجودية من شأنها أن تعصف بهم إلى الأبد. فالسعودية والإمارات -مثلاً- نشأتا بإشرافٍ غربي ضمن الكيانات الموالية لها، ومن الصعب عليها البقاء في ظل التغييرات الجذرية المرتبطة بالحروب.

إن الفارق الجوهري في صراع البقاء هذا يكمن في "صلابة الهوية الوطنية" وتماسك الجبهة الداخلية عند الشدائد؛ فإيران، بصفتها وريثة حضارات ضاربة في القدم، تمتلك "عقيدة دولة" تتجاوز الأشخاص والأنظمة، مما يمنحها قدرة فائقة على امتصاص الصدمات وتحويل الحصار إلى قوة ذاتية ومحرك للصناعات العسكرية والمدنية. وفي المقابل، نجد أن الأنظمة التي تشكلت كـ "مشاريع وظيفية" لخدمة الهيمنة الغربية، تفتقر إلى هذا العمق التاريخي الذي يحميها من رياح التغيير؛ فهي دولٌ بُنيت على الرفاه المرتبط بالاستقرار الخارجي، وما إن تهتز منظومة الأمن التي توفرها واشنطن، حتى تبرز أزماتها الوجودية الكامنة.

إن الكيانات الخليجية، التي استمدت شرعيتها من "الحماية الأجنبية" لا من "التجذر الشعبي"، تجد نفسها اليوم أمام حقيقة مرة: وهي أن الحروب الكبرى تُبنى على إرادة الشعوب التي لا تُهزم لا على صفقات التسليح الضخمة، وهو ما يفسر لماذا يرتعد ملوك النفط من استمرار المواجهة، بينما تتعامل طهران مع الصراع كجزء من قدرها التاريخي والجغرافي الذي لن يزول بزوال التحالفات العابرة.

كما أن كل يوم يمر في هذه المعركة يكلف الميزانية الخليجية أرقاماً فلكية تتجاوز بكثير ميزانيات التسليح المرصودة؛ فشواهد الاقتصاد تؤكد أن توقف حركة الملاحة في موانئ حيوية كـ "جبل علي" أو تعطيل محطات التصدير في "رأس تنورة" يعني خسارة مئات الملايين من الدولارات يومياً، سواءً من قيمة النفط، أو بسبب هروب الاستثمارات الأجنبية وارتفاع أقساط التأمين على السفن بنسبة تجاوزت 400%.

علاوة على ذلك، يبرز "فخ الاستنزاف الدفاعي"؛ حيث تُجبر دول الخليج على استخدام صواريخ اعتراضية (مثل الباتريوت) التي تصل تكلفة الصاروخ الواحد منها إلى 3-4 ملايين دولار، لاعتراض طائرات مسيرة انتحارية إيرانية لا تتجاوز تكلفتها ألف دولار. وهذا الفارق الشاسع في الكلفة يعني استنزافاً مادياً سريعاً للمخزونات الدفاعية التي تحتاج سنوات لتعويضها، مما يحد من قدرة هذه الدول على الصمود النفسي والمادي لفترات أطول؛ فلكل دقيقة حساباتها بالنسبة لميزانيات تعتمد على استقرار السوق، فيما لن تخسر إيران أكثر مما خسرته خلال سنوات "الحصار السلمي" التي كيّفت اقتصادها على العمل تحت أقسى الظروف والضغوط.

لقد كشفت هذه المعركة أن "الهيبة" التي كانت واشنطن تضفيها على حلفائها لم تكن سوى غلافٍ رقيق مزقته أولى زخات الصواريخ، تاركةً إياهم في مواجهة حقيقة ضعفهم البنيوي. لذا، ستمضي إيران في إدارة هذا الاستنزاف ببرود أعصاب، واثقةً من أن استمرار الحرب لسنوات هو استراتيجية تخدم مصالحها العليا؛ فكلما طال أمد الصراع، تعمقت أزمات الأنظمة الخليجية التي لم تعتد العيش تحت وطأة التهديد المستمر. وإيران تدرك تماماً أن "نفسها الطويل" وجذورها الضاربة في الجغرافيا والتاريخ يمنحانها القدرة على امتصاص الصدمات، بينما تتآكل شرعية "الكيانات الوظيفية" المجاورة مع كل برميل نفط يتوقف إنتاجه.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب