الإعلام بالإعلام والبادئ أظلم
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إذا كان للعدو الصهيوني الحق في استهداف الإعلام المقاوم، فإن لمحور المقاومة كل الحق في استهداف الإعلام الصهيوني بكل أشكاله، بما في ذلك الإعلام الخليجي الذي يقف مع الصهاينة في خندقٍ واحد ويبارك كل جريمة بحق المدنيين، وعلى رأسهم الإعلام الحر الرافض لثقافة التدجين والتطبيع.
وما حدث لإعلاميي المنار والميادين من استهداف مباشر أدى إلى استشهاد مراسل المنار علي شعيب ومراسلة الميادين فاطمة فتوني، ليس إلا الحلقة الأخيرة من المسلسل الدموي الساعي إلى إسكات صوت الحقيقة المدافع عن مظلومية الشعوب العربية المستضعفة في وجه الهجمة الشرسة لمحور الصهاينة والتطبيع. وقد رأينا كيف فتك العدو الإسرائيلي بالمئات من الإعلاميين من أهالي غزة للأسباب نفسها؛ فالحقيقة هي العدو الأكبر لهم، ومن أجل طمسها لم يكتفوا بإنشاء آلة إعلامية ضخمة لتحريف الحقائق، وإنما سارعوا لاستهداف المدافعين عن الحق من الإعلاميين والناشطين الأحرار في جبهة المقاومة.
وعليه، فإن إيران ومعها سائر أحرار الأمة لا تُلام إذا ما قررت الرد بالمثل واستهداف الأصوات المدافعة عن الصهيونية، وأولها الإعلام الخليجي، العدو الأول للحقيقة وللأمة الإسلامية والمجاهدين من أبنائها؛ فمن منا لا يعرف قناة العربية ومستوى الانحطاط الذي بلغته في معاداة الأحرار في أمتنا، وكيف باتت صهيونية أكثر من العدو الإسرائيلي نفسه، ويشاركها في ذلك كل الإعلام الخليجي إلا النزر اليسير منه.
وهذا السلوك الإجرامي لا يمكن فصله عن الضوء الأخضر الممنوح من "قلعة الديمقراطية" المزعومة؛ فالولايات المتحدة الأمريكية كانت وما زالت الشريك الفعلي في كل رصاصة استهدفت صدور الصحفيين في العالم أجمع. فالمنهجية الأمريكية في قمع الحقيقة ليست وليدة اليوم، بل هي عقيدة عسكرية بدأت بتجريم كل من يخرج عن الرواية الرسمية لـ "البنتاغون"، وما استهداف الصحافة في العراق وأفانستان أثناء غزو البلدين إلا شواهد حية على ضيق ذرع الإدارة الأمريكية بصوت المهنة حين يكشف زيف ادعاءات "الحرية والعدالة".
وإلى جانب القتل المباشر، فإن التحالف الصهيو-أمريكي يرى في الكاميرا سلاحاً لا يقل خطورة عن الصاروخ، لذا يمارسون "إرهاباً رقمياً" عبر الضغط على شركات التكنولوجيا لغلق منصات الإعلام المقاوم وملاحقة الناشطين الأحرار في الفضاء السيبراني. هذا التحالف يضع الصحفيين بين خيارين: إما التماهي مع الأجندة الاستعمارية وتزييف الوعي، أو مواجهة الموت غدراً وقنصاً، كما حدث مع أيقونة الصحافة شيرين أبو عاقلة، التي كشف استشهادها للعالم أجمع أن "إسرائيل" لا تفرق بين سترة صحفية ولباس عسكري حين يتعلق الأمر بحجب شمس الحقيقة.
والصمت الدولي والتواطؤ الغربي المخزي تجاه ذبح الصحفيين في غزة ولبنان، يؤكد أن القوانين الدولية ليست سوى حبر على ورق يُستخدم لخدمة القوي. وبناءً عليه، فإن المعركة اليوم هي "معركة وعي" بامتياز، يستبسل فيها إعلاميو المقاومة بدمائهم وأرواحهم لكسر الحصار الإعلامي الذي تفرضه واشنطن وأدواتها في المنطقة، مؤكدين أن دماء علي شعيب وفاطمة فتوني ورفاقهم في غزة هي الوقود الذي سيحرق عروش التزييف والتطبيع.
وبالمقابل فإن دماء الإعلام الصهيوني ليست بأزكى من دماء الشرفاء من أبناء غزة ولبنان، ولا غيرهم من أبناء اليمن وإيران، ممن قضوا بغارات التحالف الصهيوخليجي على مدى سنوات، فهي في حد ذاتها أهدافٌ عسكرية واستخباراتية، فالحقيقة لدى الإعلام الخليجي لم تكن الهدف يوماً بل أنها العدو الذي يسعون لإخفائه ولو قسراً، ولو صمت هذا الإعلام لما وجد الصهاينة من يسوق مشروعهم الإجرامي على الإطلاق، فهم الجبهة المتقدمة لتدجين الأمة وتبرير مصابها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

