السياسية || كيان الأسدي*
لمن يتتبع بيانات القيادة الإيرانية وعمليات حرس الثورة الإسلامية وطريقتها في التصعيد بخطوات ثابتة وراسخة، وانتقالها السلس بين المراحل، يصل إلى قناعة مفادها أن إيران قد وطّنت نفسها على حرب طويلة الأمد. وتنقل في أوساطها السياسية أن قواتها المسلحة تمتلك مخزونًا كافيًا لتمتد هذه الحرب إلى أشهر، ومع استمرار وتيرة التصنيع والتحديث بما يلائم طبيعة المعركة، يمكن القول إن إيران حققت تفوقًا على العدو الصهيو-أمريكي من حيث الزخم الصاروخي، الذي يرفد المعركة بقدرة عالية خلال وقت قصير وبكلفة مناسبة، وهو ما لا يستطيع الأمريكي بلوغه.
إن معامل إنتاج الصواريخ الإيرانية،، تفوق بكثير قدرة المصانع الأمريكية؛ فما تنتجه إيران في يوم واحد، تحتاج الولايات المتحدة إلى أشهر لإنتاجه، وهذا عامل أساسي في كلفة الحرب أولًا، وفي إطالة أمدها ثانيًا.
لا يمكن للأمريكي أن يتحمل حربًا تتجاوز الشهر وهو يخسر ملايين الدولارات دون نتائج ترضيه، كما لا يستطيع الاستمرار فيها دون دعم عربي، الذي يُعد ضرورة من ضرورات إدامة المعركة. فالمال الخليجي يسهم بشكل أساسي في هذا العدوان، وأي تصعيد يقوم به ترامب ضد إيران، بما يشكله من خطر على دول الخليج، يأتي في سياق الابتزاز لتعويض ميزانيات التسليح والأموال المرصودة للحرب.
وكأن الرسالة: إن أردتم استمرار الحرب والقضاء على إيران، فعليكم تحمّل الكلفة. وهو بذلك يخدعهم بخطاباته الرنانة من قبيل “قضينا على إيران ومحيت من الخارطة”، فيتفاعلون مع هذه التصريحات ويفرحون بها، بينما تروّج قنواتهم لبروباغندا القوة الأمريكية، وتصوّر ترامب كرجل حديدي إذا قال فعل.
غير أن هذا المشهد لن يطول إذا ما قرر ترامب استهداف مراكز الطاقة في إيران، مما قد يُدخل المنطقة في عتمة شاملة، خاصة مع التهديد الإيراني بضرب مراكز الطاقة في دول الخليج. وستكون أرامكو السعودية في مقدمة الأهداف، وعندها سيشهد العالم ارتفاعًا جنونيًا في أسعار النفط، لن يستطيع ترامب كبحه، لا برفع العقوبات عن روسيا ولا بتصريحات نارية.
كما أن إغلاق باب المندب من شأنه أن يدفع سعر برميل النفط للاقتراب من 200 دولار بسهولة، وهنا يبرز السؤال: هل سيبقى ترامب قادرًا على السيطرة؟
وما هو موقف الناتو حينها؟ هل سيوافق على تشكيل تحالف دولي لفتح مضيق هرمز أم باب المندب؟
عند هذه النقطة، ستختلف الأمور تمامًا، وستخرج عن سيطرة الأمريكي، ولن يجد ترامب طريقًا سوى الانسحاب الذليل من المنطقة، في مشهد قد يكون نتيجة خطأ في التقدير.
حتى اللحظة، تبدو الحرب وكأنها تُدار بدوافع شخصية من ترامب، يسعى من خلالها لإرضاء نزعاته الصهيونية، في حين أن الإيراني قد أعدّ عدته كاملة لترويض هذا الثور الهائج.
لم يعد النقاش يدور حول حجم الضرر الذي قد يصيب إيران — مع التسليم بوقوعه — بل حول حجم الضرر الذي قد تُلحقه إيران بالمنطقة والعالم.
وفي هذا السياق، لا يجد عالم إبستين أمامه خيارًا سوى الانكفاء والعودة الى الجزيرة، ومشاهدة الصواريخ الإيرانية وهي تضرب نفوذه في المنطقة عبر شاشات التلفاز.
الإيراني يدرك تمامًا ما يقول حين يعلن أن عصر الهيمنة الأمريكية قد انتهى.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب