إيران نموذجاً .. أن يُطالب المعتدى عليه بإيقاف "الرد" والدفاع عن نفسه
طوفان الجنيد *
في أدبيات السياسة الدولية وقوانين الطبيعة البشرية، يُعتبر الدفاع عن النفس ليس مجرد حق، بل هو غريزة وواجب لبقاء الكيانات والدول. لكننا نعيش اليوم في زمن انقلبت فيه المعايير، ونسف القوانين الدولية وتجاوزها والدوس عليها حيث أصبحت القوى الكبرى وامريكا بالتحديد ومعها المنظومات الإرهابية الدولية وعلى رأسها الكيان المحتل يمارسون نوعاً من "الارهاب السياسي والعسكري "، على بقية الدول الحرة والمختلفة معها فها نحن اليوم نسمع ونشاهد تلك التصرفات وممارسة كل الضغوطات على الجمهورية الإسلامية الطرف المعتدى عليه لضبط النفس، وتعتبر رده على العدوان "تصعيداً غير مقبول".
اختلال الموازين: الضحية في قفص الاتهام
عندما تتعرض دول محور المقاومة لخرق سيادتها، أو استهداف منشآتها، أو اغتيال رموزها على أرضها، فإن المنطق القانوني والعسكري يفرض رداً يوازي حجم الجرم لإعادة إرساء موازين الردع.
إلا أن النموذج الإيراني في الصراع الإقليمي الحالي يكشف عن فجوة أخلاقية هائلة في التعامل الدولي:
تشريع العدوان: عندما يتم التعامل مع الاعتداءات الغاشمة للعدو الأمريكي والصهيوني وشن الضربات الاستباقية أو "الاغتيالات السيادية" التي تنفذها وكأنها إجراءات أمنية روتينية.
تجريم الدفاع: بمجرد أن تشرع إيران (أو أي طرف في موقع المعتدى عليه) في الرد والدفاع عن النفس وانتهاك السيادة لأجل البقاء والعيش بكرامة، تنهال الضغوط الدبلوماسية. وتفعل التهديدات الاقتصادية تحت شعار "منع انجرار المنطقة إلى حرب شاملة".
لماذا يُعد هذا "قمة العجز والفشل"؟
إن مطالبة إيران اليوم او حزب الله أو المقاومة الفلسطينية المعتدى عليهم بالصمت فليس له أي تفسير الا ان العدو اصبح في ورطة كبيرة وأنه يعيش ذروة الفشل العسكري والعجز الدبلوماسي لعدة أسباب:
مكافأة المعتدي: الصمت عن الرد يرسل رسالة للمعتدي بأن "الجريمة تفيد"، وأن تكلفة العدوان صفرية، مما يدفعه لتكرار الفعل.
تآكل مفهوم السيادة: عندما يُسلب من الدولة المعتدي عليها حق الرد، تتحول عضو في المجتمع الدولي إلى "مفعول به"، وكان سكانها ليس من البشر وتفقد هيبتها أمام شعبها وأعدائها على حد سواء.
ازدواجية المعايير: يظهر العجز والفشل الأمريكي في تحقيق الأهداف المرجوة من عدوانه وكذلك المجتمع الدولي بكافة مؤسساته وممارسة النفاق السياسي وتعجز المؤسسات والهيئات الدولية (كالأمم المتحدة) ومجلس الأمن عن إدانة الفعل المعتدي وتقوم بمسؤولياتها وتستنفر كل قواها لمنع "رد الفعل".
إيران.. الردع بين فكي الكماشة
تمثل الحالة الإيرانية نموذجاً صارخاً لهذا الصراع. فبينما تتعرض لضربات تستهدف عمقها الأمني والدبلوماسي، ويقتل شعبها وتدمر بنيتها ومنشئاتها وتقوم بالواجب الشرعي والإنساني بحق الدفاع تجد نفسها محاصرة بمطالبات دولية بـ "الهدوء ووقف الردع . وهذا الوضع يضع صانع القرار في الجمهورية الإيرانية الإسلامية أمام خيارين أحلاهما مر:
إما الصمت: وهو ما يُفسر محلياً وإقليمياً كضعف بنيوي، ويفتح الشهية لمزيد من الاستهداف.
إما الرد: وهو ما يُستخدم كذريعة لشيطنتها دولياً وفرض مزيد من العزلة عليها، وتأييد العدوان سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة
"إن السلام الذي يقوم على حرمان المعتدى عليه من حق الدفاع هو سلام هش، وهو في الحقيقة ليس سلاماً، بل هو استسلام مقنّع يمهد لانفجار أكبر."
الخاتمة
إن استجداء المعتدون من ايران بوقف الحرب هو محاولة فرض "ثقافة الاستسلام" ويعد قمة الهمجية والعنجهية والاستكبار ودليل واضح على الوضعية التي وصل إليها المعتدي وعجزه عن تحقيق أهدافه واشتداد الالم والخسارة عليه ومحاولتهم الخروج من المأزق وبناء انتصار ولو شكليآ ووهمي والخروج ولو بماء الوجه تحت مسميات عديدة فالدفاع عن النفس ليس خياراً تكتيكياً بل هو ضرورة وجودية. وإذا أراد المجتمع الدولي حقاً تجنب الحروب، فعليه لجم المعتدي أولاً، لا تكميم أفواه من يدافعون عن كرامة أوطانهم وسيادتها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

