الهيمنة الأميركية بين ممالك النفط وجمهوريات الموز
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لم تكن دول الخليج حرة في قرارتها السياسية والاقتصادية وحتى الإعلامية، فكل ذلك يخضع للرغبات الأميركية وهي أقرب للأذهان بجمهوريات الموز في أميركا الوسطى التي خضعت كلياً على مدى عقود للقرار الأميركي، والعلاقة التي تربط واشنطن بهذين النمطين من الدول تنهل من المنبع الاستعماري ذاته. فإذا كانت "جمهوريات الموز" قد صُممت لتكون حقولاً خلفية لشركة "يونايتد فروت"، فإن ممالك النفط ليست سوى نسخ "محدثة" تم ضبط إيقاعها لخدمة المجمع الصناعي العسكري والمالي الأمريكي، مع فارق وحيد هو استبدال "الفاكهة" بـ "الوقود الأحفوري".
وللتذكير، فإن "جمهوريات الموز" بأميركا الوسطى هو مصطلح يُطلق على عدد من الدول مثل كوستاريكا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس، والتي كانت خاضعة للسيطرة الأميركية عبر شركات مثل شركة الفواكه المتحدة (United Fruit Company) التي لعبت دوراً محورياً في تكريس ظاهرة 'جمهوريات الموز'، حيث تحالفت مع شركات أمريكية أخرى كشركة 'كوياميل' وبغطاء سياسي وعسكري من واشنطن، لفرض وصاية شاملة على تلك الدول وفرضت عليها واقعاً سياسياً واقتصادياً هزيلاً جعل سيادة هذه الدول رهينة لمصالح الشركات العابرة للحدود.
والنموذج يتكرر في دول الخليج، فهي ممالك نفطية على طريقة جمهوريات الموز، فالأنظمة الخليجية لا تملك قرارها السيادي وهي خاضعة كلياً للهيمنة الغربية في كل مجالاتها الاقتصادية والسياسية وحتى الإعلامية، باستثناء أنها أيضاً تحولت إلى رأس حربة لضرب مصالح الأمة العربية وعرقلة أي جهود مناهضة لسياسات واشنطن أو مطالبة بتحرير فلسطين.
وتتجلى في القضية الفلسطينية الحقيقة الفعلية لممالك النفط، فهي مجبرة على الالتزام بالحياد التام من جهة، ومعاداة أعداء الصهاينة من جهة أخرى، حتى لو كلفها ذلك المقامرة بأمنها القومي كما نرى حالياً عندما رهنت موقعها ومصالحها لصالح العدوان الصهيو-أميركي على إيران، وجعلت من أراضيها قاعدة موحدة لضرب الجمهورية الإسلامية، كما تكفلت بتمويل ذلك العدوان وحرف مسار الصراع وجعله حرباً مباشرة بينها وبين إيران، رغم أن الأخيرة في موقع الُمعتدى عليه ولها كامل الحق في الدفاع عن شعبها وسيادتها.
وحتى "المؤسسة الدينية" في الخليج، فقد تحولت إلى شركات للعلاقات العامة ومهمتها أن تكون الذراع الروحي والشرعي للسردية الغربية، تماماً كما كان بعض رجال الدين في جمهوريات الموز يباركون هيمنة الشركات مقابل الحظوة لدى السلطة. لقد تم إنتاج "نسخة خليجية" من التدين الوظيفي تقوم على عقيدة "طاعة ولي الأمر" المطلقة، حتى وإن رهن هذا الولي مقدرات الأمة للأجنبي أو تحالف مع الصهيونية. ومن خلال الفتاوى المُعلبة، تم تحويل الصراع مع الاحتلال من قضية وجودية وجهادية إلى "وجهة نظر سياسية" تخضع لتقدير الحاكم، بينما يُجرم كل من ينادي بالمقاومة أو يرفض الهيمنة الأمريكية بوصفه "خارجاً عن الجماعة" أو "مسبباً للفتنة". وهذا التوظيف الانتهازي للدين يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد الإنسان العربي من سلاحه العقائدي، واستبدال روح التحرر الإسلامية بإسلام "استهلاكي" بارد.
ومثلما كانت بروباغندا الشركات الأمريكية تصوّر استغلال شعوب أمريكا الوسطى كـ "تحديث وتمدن"، تمارس الآلة الإعلامية الخليجية عملية تزييف ممنهجة للوعي العربي. عبر شبكة واسعة من القنوات والمواقع، يتم تلميع الهيمنة الغربية، وشيطنة حركات المقاومة، وتقديم "الاستسلام" كـ "واقعية سياسية رغم أن هذه الواقعية لها نتائج كارثية من شأنها سقوط الأنظمة الخليجية نفسها.
وكما كانت شركات الموز تمنع بناء أي صناعة وطنية تنافس المحصول الواحد لتُبقي الدولة في حالة احتياج دائم، يتم توجيه الفوائض النفطية الخليجية نحو صفقات سلاح فلكية (لا تُستخدم إلا في نزاعات بينية تخدم المصالح الغربية) أو في مشاريع استهلاكية ترفيهية تهدف لتخدير الوعي الجمعي. وهذا "الارتهان الاستثماري" يحرم المنطقة من بناء قاعدة صناعية أو عسكرية مستقلة، ويُبقي القرار السياسي الخليجي مجرد صدى لإرادة "المدير الأمريكي" القابع في واشنطن، تماماً كما كان حال رؤساء جمهوريات الموز أمام مدراء شركات الفاكهة.
وبات جلياً أن منظومة "البترودولار" (التي فُرضت منذ السبعينيات) قد صادرت "القرار المالي المستقل". فإجبار ممالك الخليج على تسعير النفط بالدولار حصراً حول ثرواتها الوطنية إلى مجرد "أرصدة دفترية" محتجزة في النظام المصرفي الأمريكي. وهذه الأموال تُضخ قسراً لترميم الاقتصاد الأمريكي عبر شراء سندات الخزينة، مما يجعل هذه الممالك "رهينة مالية" لا تملك حق التصرف في فوائضها إذا ما فكرت في الخروج عن الطاعة السياسية، تماماً كما كان محصول الموز يُترك ليتعفن في المزارع إذا تمردت الحكومات المحلية على "الشركة الأم".
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

