السياسية || محمد محسن الجوهري*

مع بدء العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وتصاعد الهجمات الانتقامية ردًا على ذلك العدوان، بدأت الكثير من الدول سحب رعاياها من منطقة الخليج، الساحة الأبرز للمواجهة، وبدا واضحًا أن الغربيين كانوا أول من غادر الخليج رغم أنهم أكثر المستفيدين من ثروات المنطقة، إلا أن الخوف الأكبر يكمن في الجاليات الآسيوية، خاصة الهندية، في حال قررت الانسحاب كليًا من دول الخليج.

ومن يتابع مستجدات الخارجية الهندية، سيسمع عن عودة أعداد كبيرة من مواطنيها هربًا من الحرب، آخرها عودة 1600 عامل هندي من قطر ونحو 60 ألفًا من دول الخليج عمومًا مع استمرار خطط الإجلاء، هذه الإجراءات تكشف عن حالة من القلق والترقب لاحتمال بداية موجة مغادرة أوسع للعمالة الآسيوية من الخليج إذا طال أمد الحرب.

وبما أن الجالية الهندية هي الأكبر، حيث يُقدَّر عدد الهنود في الخليج بنحو عشرة ملايين، فإن خلوّ الخليج المفاجئ منهم سيكون له نتائج كارثية على أكثر من صعيد، فالعمالة الهندية تشكّل القوة التشغيلية الأكبر في الخليج، إضافة إلى كونها عاملًا ديمغرافيًا مهمًا في المنطقة، وقد نشرت قناة "الحرة" الأميركية تقريرًا اقتصاديًا يتحدث عن نتائج كارثية إذا خلت المنطقة من العمالة الهندية.

والسبب أن دولًا مثل الكويت وقطر والإمارات تعتمد بشكل رئيسي على العمالة الهندية، إضافة إلى أن عدد الهنود في تلك الدول بالذات يفوق عدد المواطنين، وتتركز أعمالهم في البناء والعمل المنزلي وقطاع الخدمات، وهي الوظائف التي يتجنب كثير من المواطنين شغلها لأسباب تتعلق بالأجور أو بطبيعة العمل.

وستظهر أزمة فورية في سوق العمل، فالعمالة الهندية تشغل وظائف حيوية لا يمكن تعويضها بسرعة، ما قد يؤدي إلى تعطّل مشاريع كبرى وارتفاع تكاليف التشغيل. كما سترتفع الأجور بسبب نقص العمالة، وقد تضطر الحكومات والشركات إلى البحث عن بدائل من دول أخرى، لكن ذلك يحتاج وقتًا وتكاليف فائقة قد تجبر الحكومات الخليجية على مضاعفة أجورهم.

ديمغرافيًا، سيكون التأثير كبيرًا وسريعًا، وسيؤدي إلى انخفاض في عدد السكان، وتغيّر في التركيبة السكانية والثقافية لأن الهنود يشكّلون نسبة كبيرة من السكان، خصوصًا في المدن الكبرى. هذا قد يجعل بعض المناطق تبدو شبه فارغة مقارنة بوضعها الحالي. إضافة إلى أن الجاليات الهندية لها حضور واضح في الحياة اليومية (مطاعم، متاجر، لغات، مناسبات). اختفاؤها سيغيّر المشهد الثقافي في المدن الخليجية، وقد يخلق فراغًا اجتماعيًا لفترة طويلة.

وعلى الصعيد الأُسري، فإن غياب العمالة الهندية سيؤثر بشكل مباشر على نمط حياة الأسرة في دول مثل الإمارات والسعودية وقطر، لأن جزءًا من هذا النمط يعتمد منذ عقود على العمالة المنزلية والخدمية، واختفاؤهم يعني أن الأسرة ستضطر لتولي هذه المهام بنفسها. هذا قد يعيد توزيع الأدوار داخل المنزل، وفي هذا عبء كبير على الأسرة الخليجية التي تشكو سلفًا من معضلة حقيقية لأن أغلب أفرادها لا يجيدون الأعمال الخدمية حتى النساء.

باختصار، ستبدو دول الخليج شبه خالية من السكان، ما يجعل المشهد أقرب إلى صدمة اجتماعية حقيقية. وسيكشف هشاشة الاعتماد المفرط على الغير في تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ ستجد آلاف الأسر نفسها عاجزة عن إدارة أبسط شؤونها المنزلية، أما الشركات، فإن الصورة قد تبدو أكثر حدّة، وأقرب إلى شلل اقتصادي وتوقف كثير من الشركات—خصوصًا في البناء، والخدمات اللوجستية، والتجزئة، والصيانة—وسيرافق ذلك موجة من الخسائر المالية، فالمشاريع، خاصة الكبرى، مرتبطة بجداول زمنية صارمة، وأي تأخير قد يؤدي إلى غرامات ضخمة، وخسارة عقود، وتراجع ثقة المستثمرين.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب