لأول مرة.. الخليج يحترق واليمن يتفرج
السياسية || محمد محسن الجوهري*
اعتدنا أن نرى اليمن يحترق، وينخرط أبناؤه في حروبٍ أهلية لصالح دول الخليج على مدى عقود، قبل أن تقرر تلك الدول -بقيادة السعودية- أن تشن عدواناً مباشراً على الشعب اليمني، نتج عنه عشرات الآلاف من الشهداء ودمارٌ هائل في البنية التحتية والاقتصاد المحلي، ورافق ذلك العدوان تمويلٌ واسع للاقتتال اليمني-اليمني، حتى بين مرتزقة الدول الخليجية أنفسهم.
ولكننا اليوم أمام مشهد مختلف وفريد من نوعه؛ فدول الخليج تتعرض للقصف والدمار، سواءً من إيران أو حتى من الكيان الصهيوني الذي يعمل على تعقيد الوضع في المنطقة. وفي نهاية المطاف، فإن دول الخليج لن تقوى على تحمل ما تحمّله الشعب اليمني بسبب مؤامراتهم، ومن الصعب أن يعود الخليج إلى حاله السابق؛ فوضعه الاقتصادي الحساس يتطلب أمناً مطلقاً، وقد جعلت إيران من ذلك الأمن "مسخرة" بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
إن هذا الانهيار الأمني هو إعلانٌ صريح عن انهيار العقد الاجتماعي والسياسي الذي قامت عليه الأنظمة الخليجية؛ فالمراكز الاقتصادية العملاقة، التي شيّدتها هذه الدول كرموزٍ للرفاهية والاستقرار، تحولت بفعل ضربات القصف إلى أهدافٍ بالغة الهشاشة يصعب تأمينها أو عزلها عن صراعات المنطقة. ولم يعد بإمكان هذه العواصم الرهان على 'مظلة الحماية' الغربية أو التحالفات المتسارعة مع الكيان الصهيوني لدرء المخاطر؛ فقد أثبتت التطورات الميدانية أن تلك الرهانات لم تكن سوى أوهامٍ، وفتحت أبواباً لصراعاتٍ إقليمية كبرى لم تعد هذه الدول تمتلك الأدوات اللازمة لإدارتها، ناهيك عن الخروج منها بأقل الخسائر.
لقد ورّطت دول الخليج نفسها في الحرب، فهي من رهنت نفسها ومصالحها للغرب المتصهين، وتحولت إلى رأس حربة في مواجهة الأمة الإسلامية، وإضعاف الشعوب، وضربها بالفتن الطائفية والأزمات الاقتصادية. ولو لم يكن من مؤامراتها إلا المد الوهابي والتنظيمات الإرهابية الموالية له لكفى؛ فكيف وقد تدخلت بشكلٍ مباشر لحرق المسلمين في اليمن وغيره، ورضيت أن تساند الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
وبناءً على ما سبق، فإن تداعيات هذا المشهد لن تقف عند حدود الضرر المادي، وستطال "الشرعية السياسية" لهذه الأنظمة التي بنت بقاءها على وعود بالاستقرار الاقتصادي والسياسي. وعجز هذه الدول عن حماية أمنها القومي أمام طائرات الدرون والصواريخ يمثل تحولاً جوهرياً في العقيدة العسكرية الإقليمية، مما يطرح تساؤلات حتمية حول جدوى التحالفات التي عقدتها مع القوى الغربية، والتي أثبتت الأيام أنها لا توفر حماية فعلية بقدر ما تجلب المزيد من التورط.
وما يجعل هذا المشهد أكثر تعقيداً، هو حالة "الارتباك الاستراتيجي" التي تعيشها الأنظمة الخليجية في الوقت الراهن؛ فهي تجد نفسها عالقة بين التزاماتها الأمنية التاريخية مع الغرب، وبين واقعٍ أمنيٍ جديد لا تملك فيه مفاتيح التهدئة أو التصعيد. لقد تحولت المظلة الأمنية التي وفرتها القوى الدولية إلى عبءٍ يفاقم من حدة الاستهداف، بدلاً من أن تكون درعاً واقياً.
وفي ظل هذا الانكشاف، تآكلت "هيبة الردع" التي استثمرت فيها هذه الدول طويلاً، مما دفع شعوب المنطقة إلى إعادة قراءة المشهد بعيونٍ فاحصة، تدرك أن زمن الهيمنة الأحادية على القرار الإقليمي قد ولى، وأن توازنات القوى باتت تُفرض اليوم بقوة الميدان لا بقوة التحالفات الورقية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

