رسالة لاريجاني.. نداء إلى الأُمَّــة واختبار للمواقف
مبارك حزام العسالي*
في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، جاءت الرسالة التي وجّهها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، علي لاريجاني، إلى المسلمين في أنحاء العالم وحكومات الدول الإسلامية، لتتجاوزَ حدودَ البيان السياسي التقليدي وتتحول إلى خطابٍ يحمل دلالات استراتيجية وأخلاقية عميقة.
فهي طرحت سؤالًا كبيرًا على العالم الإسلامي: أين تقف الأُمَّــة حين تتعرض إحدى دولها لعدوان مباشر من قبل أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني؟
الرسالة تضع المواجهة في إطارها الأوسع، بوصفها صراعًا يتجاوز حدود إيران ليصلَ إلى طبيعة النظام الدولي الذي تحاول واشنطن فرضَه في المنطقة.
فبحسب مضمونها، لم يكن الهدف من العدوان مُجَـرّد توجيه ضربات عسكرية، بل محاولة إخضاع دولة رفضت الاستسلام للهيمنة الأمريكية؛ ما يفسّر – وفق هذا الطرح – استهداف قادتها ورموزها ومحاولة زعزعة استقرارها الداخلي.
ومن خلال هذا السياق، تسعى الرسالة إلى نقل المعركة من كونها شأنًا إيرانيًّا إلى كونها قضية تخصّ العالم الإسلامي بأسره.
فحين تُستهدف دولة مسلمة؛ بسَببِ تمسُّكها باستقلال قرارها السياسي والعسكري، فإن الرسالة تقول ضمنًا إن الأمر لا يتعلق بحدود الجغرافيا بقدر ما يتعلق بمستقبل استقلال المنطقة بأكملها.
كما أن الرسالة تلامس إحدى أكثر القضايا حساسية في الواقع السياسي الإسلامي: موقف الحكومات الإسلامية من الصراع الدائر.
فباستثناء مواقف محدودة، يشير الخطاب إلى أن معظم هذه الحكومات لم تتخذ موقفًا واضحًا إلى جانب الشعب الإيراني، وهو ما اعتبره تناقضًا مع القيم الإسلامية التي تدعو إلى نصرة المظلوم ومساندة المعتدى عليه.
ولهذا استشهد لاريجاني بحديث النبي ﷺ: «من سمع رجلًا ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم»، في إشارة إلى أن التضامن ليس مُجَـرّد شعار سياسي، بل مسؤولية دينية وأخلاقية أَيْـضًا.
ومن النقاط اللافتة في الرسالة أَيْـضًا حديثها عن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في بعض دول المنطقة؛ إذ تطرح سؤالًا صريحًا: كيف يمكن اتّهام إيران بالاعتداء بينما تُستخدم هذه القواعد لضربها؟ بهذا الطرح، تحاول الرسالة تفكيك الرواية التي تروج لها واشنطن، وإعادة توجيه النقاش نحو مصدر التوتر الحقيقي في المنطقة.
لكن الرسالة، في الوقت ذاته، لم تُكتب بلُغة الاستغاثة، بل بلُغة الثقة بقدرة الشعب الإيراني على الصمود.
فهي تؤكّـد أن العدوانَ لم يحقّق أهدافَه رغم ما يملكه المعتدون من تفوق عسكري وتكنولوجي، وأن الإرادَة الوطنية قادرة على مواجهة الضغوط مهما بلغت شدتها.
وهذا الخطاب في حَــدّ ذاته جزء من معركة الإرادات التي تشهدها المنطقة اليوم.
ومن موقعنا كمواطنين في هذه الأُمَّــة، لا يمكن قراءةُ هذه الرسالة دون الشعور بأنها موجّهة أَيْـضًا إلى الشعوب قبل الحكومات.
كمواطن يمني مسلم، أجد أن من واجبي أن أقولَ بوضوح إن كَثيرًا من أبناء هذه الأُمَّــة يقفون مع كُـلّ شعبٍ يواجه الهيمنةَ والعدوان ومنهم الشعب الإيراني، أيًّا كان موقعُه أَو انتماؤه.
إن ما يجمعنا ليس الجغرافيا وحدها، بل الإيمان بأن استقلال أوطاننا وكرامة شعوبنا لا يمكن أن يُفرّط بهما تحت أية ذريعة.
ولذلك فإن الرسالة، بالنسبة لنا، ليست مُجَـرّد خطاب سياسي صادر من مسؤول إيراني، بل تذكيرٌ بأن الأُمَّــة ما تزال قادرةً على أن تقول كلمتها حين يتعلق الأمر بالسيادة والكرامة.
وقد علّمتنا تجارب المنطقة، وفي مقدمتها ما واجهه اليمن من عدوان طويل، أن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحرية قادرة على الصمود مهما طال الطريق.
في المحصلة، قد يختلف كثيرون في السياسة، وقد تتباين الرؤى حول كثير من المِلفات، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن مستقبل المنطقة لن يُصنع بالإملاءات الخارجية، بل بإرادَة شعوبها.
وهذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن قراءتها بين سطور خطاب لاريجاني: أن زمن فرض الإرادَة بالقوة يواجه اليوم تحديًا حقيقيًّا من شعوبٍ لم تعد مستعدة للتخلي عن حقها في الاستقلال والسيادة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

