القدس.. خط الدفاع الأول عن كل الأمة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
قبل أي حربٍ عسكرية أو غزوٍ بري، تكون هناك عملية تثقيف أِشبه بغشل الأدمغة حتى يتسنى للعدو الخارجي تفكيك الأمة قبل أن يشن هجومه عليها، وقد سبَق تأسيس الكيان الصهيوني مرحلة طويلة من الإعداد والتثقيف اليهودي للشعوب حتى أصبحت مدجنة بالكامل، وهو ما لم يستمر طويلاً فلكل فعل ردة فعل تساويه في الحجم وتخالفه في الاتجاه، فبنفس الأسلوب و سينتهي ذلك الكيان ويتلاشى من أرض فلسطين.
فتآكل الكيان الصهيوني يبدأ من اللحظة التي تفقد فيها "سرديته الحاكمة" قدرتها على إقناع الضمير العالمي، فكما استثمرت الحركة الصهيونية عقوداً في تثقيف المجتمعات الغربية لربط وجودها بالقيم الأخلاقية والحاجة الإنسانية، فإن المسار العكسي يتشكل اليوم عبر "نزع الشرعية الثقافية"؛ حيث تسبق الهزيمة السياسية والمادية مرحلة من الحصار المعرفي الشامل، يتحول فيها الكيان في وعي الشعوب من "مشروع ديمقراطي" إلى "نظام عدواني إقصائي" يتصادم مع الفطرة الإنسانية.
ومن أهم معالم الزوال للعدو إحياء يوم القدس العالمي والذي مثل منذ أكثر 46 عاماً دوراً في الإبقاء على قضية القدس ماثلة في الوجدان الإسلامي، الفعالية السنوية بقيت كمرحلة من التعبئة الجهادية التي أعادت ترتيب الأولويات في العقل الشعبي العربي والإسلامي. وهذا اليوم استطاع بذكاء أن يربط بين قدسية الزمان (رمضان) وقدسية المكان (الأقصى)، ليحول القضية من "نزاع سياسي" قابل للمساومة إلى "عقيدة تحررية" غير قابلة للتفاوض، وهو ما أرسى القواعد المتينة لـ الإعداد الشعبي لمرحلة التحرير الكبرى.
لقد أسهم هذا الزخم في إبقاء المقدسات الإسلامية حية وحاضرة في قلب المشهد العالمي، متجاوزاً بذلك محاولات التغييب الممنهج التي سعت إليها قوى التطبيع وكيانات التبعية الصهيونية؛ تلك التي حاولت قيادة مسار "الإفساد الديني" وتحريف بوصلة العداء نحو قضايا جانبية وهويات فرعية. فيوم القدس كسر جدران العزلة التي حاول الاحتلال فرضها على فلسطين، وصنع حاجزاً منيعاً من الوعي الشعبي الذي يرفض الانكسار أمام الموجات الانهزامية، مما يثبت أن زوال الكيان يبدأ من سقوط مشروعه الثقافي في عقول الشعوب، قبل أن يسقط مادياً على تراب الأرض.
وتتجلى عظمة جمعة القدس في الضجة الكبرى وحالة الإرباك التي ترافق المناسبة، وتمثل شهادةً دامغة على محوريتها وجدواها في كسر المشروع الصهيوني؛ إذ يمتد أثرها لتعرية حلفائه من "صهاينة العرب"، وفي مقدمتهم النظام السعودي الذي سخر أدواته لمحاربة كل أشكال التضامن مع هذه الجمعة المباركة، بل ومع القدس ذاتها، لتغدو المناسبة "فرقانًا" وعلامة فاصلة تميز بوضوح بين معسكر التطبيع والخيانة وبين محور الجهاد والمقاومة. وبالتالي فإن إحياء هذا اليوم هو بحق "موطئ يغيظ الكفار"، وما نراه من استنفار لأبواق العمالة بمختلف لبوسها الدينية والسياسية إلا دليل على نجاح الفعالية في ضرب العمق الثقافي والسياسي لمشروع الهيمنة.
علاوة على ذلك، يشكل هذا اليوم فرصة ذهبية لتوحيد صفوف المسلمين في خندق واحد، حيث يعيد توجيه بوصلة الغضب الشعبي نحو العدو الحقيقي والأوحد للأمة، ويُفشل المؤامرات الساعية لتمزيق النسيج الإسلامي وحرف مسار الصراع نحو نزاعات داخلية هامشية. وقد تجلى هذا الوعي بوضوح في اليمن، حيث استطاعت المناسبة كسر الحواجز المصطنعة وكشفت للشعب اليمني أن من يعادي قضية فلسطين والقدس لا يمكن أن يكون له حظ في مودة الأنصار الأوائل، فمعيار الولاء والبراء بات مرتبطاً بالموقف من القدس. وفي ظل العدوان الإجرامي الرهيب الذي يشنه العدو الصهيوني اليوم ضد المسلمين، تكتسب الفعاليات التعبوية هذا العام أهمية استثنائية كواجب ديني وأخلاقي، ودور فعلي في مسار الإعداد الذي سينتهي يقيناً بتطهير الأرض والمقدسات بإذن الله.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

