طوفان الجنيد*

تمثِّلُ الأماكنُ المقدَّسةُ في الإسلام —وعلى رأسها الكعبة المشرفة، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى— ما هو أبعدُ من معالمَ جغرافيَّةٍ أو أطلالٍ تاريخيَّة؛ إنَّها «القلبُ النابضُ» للهويةِ الإيمانيَّة، والمحورُ الذي تتجلّى فيه أسمى معاني الارتباطِ الوجدانيِّ والعَقَديِّ للمسلمِ بخالقهِ وبتاريخهِ الرساليّ. وكما أكَّدَ السيدُ القائدُ في محاضرته، فإنَّ هذه المقدَّساتِ هي «محطّاتٌ ربّانيَّةٌ» صُمِّمت لصياغةِ شخصيَّةِ الأمَّة وتوجيهِ بوصلتِها نحوَ الحقّ.

أولًا: ماهيَّةُ الارتباطِ الوجدانيّ
(ارتباطٌ كيانيٌّ لا عاطفيّ):
إنَّ علاقةَ المسلمِ بالمقدَّساتِ ليست علاقةً عابرةً، ولا مجرَّدَ حنينٍ إلى الماضي، بل هي ارتباطٌ كيانيٌّ يقومُ على ركائزَ استراتيجيَّة:
الامتدادُ النبويُّ والرساليّ: في مكَّةَ والقدسِ والمدينةِ، يستشعرُ المؤمنُ أنَّه جزءٌ من مسيرةٍ عالميَّةٍ بدأت بآدمَ وإبراهيمَ عليهما السلام، وبلغت ذروتَها بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الاتصالُ يمنحُ الأمَّةَ شعورًا بالفخرِ والانتماءِ، ويجعلُها ترفضُ التبعيَّةَ لمشاريعِ «الأسرلة» أو التغريب.
وحدةُ الاتِّجاه (القبلة): الكعبةُ ليست مجرَّدَ جدار، بل هي «نقطةُ الارتكاز» التي توحِّدُ مشاعرَ ملايينِ المسلمين. وهي الرمزُ الذي يُذيبُ القوميَّاتِ والحدودَ، ليجعلَ من الأمَّة جسدًا واحدًا؛ إذا اشتكى منه عضوٌ (كالقدس)، تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمّى.
محطّاتُ الهدايةِ والتزوُّد: وصفها القرآنُ بأنَّها «مباركًا وهدًى للعالمين». والارتباطُ بها هو بحثٌ عن السكينةِ الروحيَّة، واستمدادٌ للقوَّةِ المعنويَّةِ اللازمةِ لمواجهةِ طواغيتِ العصرِ وتحدّياتِ الحياة.

ثانيًا: التلازمُ الإيمانيُّ بين مكَّةَ والقدس
(وحدةُ المصير): لقد ركَّزتِ المحاضرةُ الثانيةُ والعشرون على حقيقةٍ قرآنيَّةٍ لا تقبلُ التجزئة: لا يمكنُ فصلُ مكَّةَ عن القدس.
إنَّ الربطَ الإلهيَّ في سورةِ الإسراء بين المسجدِ الحرامِ والمسجدِ الأقصى يفرضُ على الأمَّةِ وحدةً في الموقف.
القاعدةُ الذهبيَّة: مَن يُفرِّطُ في الأقصى يُضعِفُ ارتباطَه بمكَّة، ومَن يقبلُ بتدنيسِ القدسِ يُسلَبُ من مكَّةَ روحَها التحرُّريَّة. إنَّ استهدافَ القدسِ هو استهدافٌ لكلِّ مقدَّساتِ المسلمين، وجزءٌ من مخطَّطٍ صهيونيٍّ يطمعُ في السيطرةِ على الجغرافيا الإيمانيَّة برمَّتها.

ثالثًا: المقدَّساتُ كعنوانٍ للعزَّةِ والكرامة
(من المشاعرِ إلى الموقف): لقد حذَّرَ السيدُ القائدُ من خطورةِ تحويلِ المقدَّساتِ إلى «أيقوناتٍ جامدة»، أو مزاراتٍ سياحيَّةٍ مجرَّدةٍ من المحتوى الجهاديّ:
المسؤوليَّةُ الإيمانيَّة: إنَّ تركَ المسجدِ الأقصى نهبًا لقطعانِ الصهاينة، أو السماحَ بتغليبِ الطابعِ الترفيهيِّ والسياحيِّ على مكَّةَ والمدينة، هو طعنةٌ في قلبِ الارتباطِ الوجدانيّ.
الارتباطُ كمنطلقٍ للتحرُّر: المقدَّساتُ هي «بوابةُ الاستنهاض».
فعندما يستشعرُ المسلمُ قدسيَّةَ الأرض، يصبحُ الدفاعُ عنها واجبًا لا يقبلُ المساومة. الصراعُ اليومَ ليس صراعًا على حدود، بل هو صراعٌ وجدانيٌّ وجوديٌّ ضدَّ مَن يريدون فصلَ الأمَّة عن مراكزِ هدايتِها.

رابعًا: الرؤيةُ العمليَّة(واجبُ الوقت):
لكي يظلَّ هذا الارتباطُ حيًّا، لا بدَّ من ترجمتِه إلى واقع:
الوعيُ التربويّ: غرسُ قدسيَّةِ هذه الأماكنِ في نفوسِ الأجيال، وتعليمُهم أنَّ الطريقَ إلى مكَّةَ يبدأُ من نصرةِ القدس.
كشفُ المؤامرات: التصدّي لكلِّ المحاولاتِ الساعيةِ إلى تمييعِ الهويَّةِ الإسلاميَّةِ للمقدَّسات، أو فصلِها عن سياقِها القرآنيّ، تحت مسمّياتِ «الإبراهيميَّة» أو التطبيع.
الموقفُ العمليُّ والشامل: اعتبارُ قضيَّةِ فلسطينَ والقدسِ هي «البوصلة». فالموقفُ من العدوِّ الصهيونيّ هو الاختبارُ الحقيقيُّ لصدقِ الارتباطِ بالبيتِ الحرام.

خاتمة:
إنَّ الارتباطَ الوجدانيَّ والإسلاميَّ بالمقدَّساتِ هو «الحصنُ الأخير» الذي يحمي الأمَّةَ من الذوبانِ والضياع. إنَّها ليست مجرَّدَ أحجارٍ صمّاء، بل هي «شواهدُ الله في أرضِه». وكما ورد في وحيِ المحاضرة:
«إنَّ الحفاظَ على هذه المقدَّساتِ هو الحفاظُ على الذاتِ الإسلاميَّة، وهو الطريقُ الوحيدُ لمستقبلٍ تسودُه العزَّةُ، والحريَّةُ، والكرامةُ الإنسانيَّة».

* المقال يعبر عن رأي الكاتب