سر الرهبة من اسم "علي بن أبي طالب"
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إن الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هو حديثٌ في جوهر الإسلام، وفي الحقيقة المحمدية التي امتدت عبر وصيه ووارث علمه. وفي سجلات التاريخ الإنساني والإسلامي، تقف شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كعلامة فارقة لكونه الامتداد الوجودي والرسالي للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله. فحين نقرأ في حديث النبي "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، ندرك أن علاقة علي بالنبي هي علاقة "نفس بنفس"، ومنزلة هارون من موسى، هي توضيح مختصر لمكانة الإمام علي من بعد النبي وهي المكانة التي لا يقطعها إلا رحيل النبوة وبقاء الإمامة.
وإلى جانب المكانة، فإن علي هو بوابة المعرفة برسول الله صلى الله عليه وآله، وهي المعرفة الوحيدة التي تحفظ لنا مكانة النبي العظيمة وقدره الرفيع، ولذلك وجدناً في النبي القائد العظيم والمربي القدوة والفارس المغوار، ولم نعرفه قط بهذه الصفات إلا من علي، أما الآخرون فقدموا النبي ناقصاً ضعيفاً يتعارض منهجه مع القرآن الكريم، وفي هذا التوصيف تشويه متعمد لانتقاص المقام النبوي في نفوس المسلمين.
كما أن حب الإمام علي عليه السلام هي نجاة من النار، فهو "قسيم الجنة والنار"، وهو "باب حطّة" الذي من دخله كان مؤمناً. فولاية علي عليه هي "براءة من النار" و"إيمان لا تضر معه سيئة" في سياق الحب والاتباع، لأن حب انحياز للحق في وجه الباطل، وتأسٍ بمنهجه في العدل والزهد، وكيف لا يكون كذلك وقد نشأ في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان الشاهد على عظمة الإسلام وفيه وفي النبي نزل قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}.
وعندما أقصت الأمة علياً فهي بذلك تشبهت ببني إسرائيل واحتذت حذوهم عندما أقصوا هارون عليه السلام من بعد موسى، فكانت النتيجة نفسها، الضلال والضياع لأن الاستبدال لم يكن بين شخصية وأخرى وإنما لدينٍ مكان آخر، فاستقامة الإسلام لا تقوم بلا أولياء الله من آل النبي، فهم قرناء القرآن وأمناء النبي على سنته، ولذلك انتهى حال الأمة إلى وضعيتها المخزية، لأن العقوبة تأتي بقدر التفريط، وما أعظم أن تفرط الأمة في علي بن أبي طالب عليه السلام.
إن شخصية الإمام علي عليه السلام تتبلور في أبهى صور شرعيتها من خلال نصوص نبوية صريحة أسست لمرجعيته المطلقة؛ فبقوله ﷺ: "لكل نبي وصي ووارث، ووصيي ووارثي علي"، أرسى قواعد الوراثة والامتداد الرسالي للمشروع المحمدي، ومع إعلانه في "غدير خم": "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وضع الأمة أمام استحقاق الولاية الكلية التي لا تقبل التأويل، لتتوج هذه الحقائق بمكانة علي كـ "إمام البررة وقاتل الفجرة"، الذي جعل النبي ﷺ من نصرته معياراً للحق ومن خذلانه علامة على الضلال، مما يجعل التمسك بإمامته صمام الأمان الوحيد لاستقامة مسيرة الأمة على نهج النبوة.
أما عن إن الرهبة التي تحيط بذكر الإمام علي عليه السلام، وضيق صدر البعض عند سماع اسمه هما نتاج معادلة نفسية وفكرية عميقة سببها أن الإمام علي عليه السلام يمثل "الميزان الصارم". فحيثما وُجد علي، انقسم الناس إلى فريقين: فريق يرى فيه تجسيداً للحق المطلق، وفريق يجد في منهجه إدانةً لأهوائهم وأطماعهم. فاسم علي يستحضر معه مفهوم "العدالة"، والعدالة دائماً ما تكون مزعجة لمن يستند إلى الامتيازات أو الظلم أو الانحراف.
وكل من يحمل في داخله مشروعاً ضد الحق، أو يتبنى نهجاً تضليلياً، يجد في ذكر علي "مرآة" تفضح تضاده مع القيم المحمدية. وهذه رهبة "الحقيقة" التي تسقط الأقنعة، فمن تعود على تزييف التاريخ يضيق صدره بذكر من كان شاهداً ناطقاً على الحقيقة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

