السياسية || محمد أحمد الجوهري*


يعد شهر رمضان المبارك من أهم الشهور والمحطات للتقرب إلى الله بالعبادات والخيرات، ففي شهر رمضان المبارك يتغير الروتين اليومي للمسلمين. البعض من الناس يعتقد أن شهر رمضان شهر الراحة، شهر تغيير الروتين تتغير فيه الواجبات وأوقاتها والصيام، وإذا عدنا إلى رسول الله صلوات الله عليه فسنجد أن رمضان شهر الصبر، شهر العمل، شهر الجهاد. وأكبر الشواهد على ذلك أن جعل الله غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان، في أول غزوة في الإسلام، ولها ثقلها العسكري والسياسي الذي جعل من المسلمين قوة ورقماً يحسب له ألف حساب.

وهناك الكثير من الشواهد والفتوحات والغزوات والمعارك التي حصلت في شهر رمضان، ونحن اليوم في الشهر المبارك، وبالتحديد في العشر الأواخر ، هنا نقترب من أن تحل علينا ذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام. فهو أول الناس إسلاماً، وأول من ناصر وأيد، وهو فدائي رسول الله صلوات الله عليه، والجميع يعرف قصة استشهاد الإمام علي رضوان الله عليه وما حدث له من غدر وخيانة واستهداف وهو ساجد يصلي صلاة الفجر في محراب مسجده.

عندما تلقى الإمام علي الضربة على رأسه الشريف لم يقم بالصياح والعويل ومناداة الحراس بأن يقتلوا ابن ملجم، لم يخف على نفسه وينادي بأن يتم إسعافه وإنقاذه، بل قال: "فزت ورب الكعبة". وهذا يدل على أن الإمام علي سلام الله عليه لم يكن يتمسك بالدنيا؛ لأنه لو كان من عشاق الدنيا لما وصل له ابن ملجم واستطاع قتله، لأنه كان يعرف أنه سوف يستشهد بضربة في رأسه، ولو كان شخصاً آخر لوضع حراسة لا تفارقه وتقوم بتفتيش أي شخص يقترب منه. لقد أخبره رسول الله صلوات الله عليه: "يا علي سيخضب هذا من دم هذا" وهو يقصد لحيته من دم رأسه، فكانت ردة فعله أن استقبل هذا الخبر بسؤاله الشهير: "أفي سلامة من ديني؟" قال رسول الله: "بلى"، قال: "إذن فلا أبالي".

من هنا نتعلم من الإمام علي أن سلامة الدين أهم من سلامة الدنيا؛ لأنه يدرك أن الدنيا مهما تعمرت فيها فهي زائلة، حياة فانية آخرها الفناء والهلاك، ويعرف حق المعرفة أن الآخرة هي دار الخلود. وإذا أتينا لنقارن واقعنا مع واقع الإمام علي؛ نحن كأمة إسلامية، هل نحن نهتم بسلامة الدين أم بسلامة الدنيا؟. مع الأسف أصبحنا نهتم بسلامة الدنيا الفانية الزائلة على حساب سلامة الدين التي تضمن لك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار.

أصبحت أغلب الشعوب الإسلامية تخاف على دنياها؛ تخاف أن تقصف بيوتها، تخاف أن تحصل أزمات، تخشى من التشريد، تخاف من الموت. وما يحصل اليوم في إيران من عدوان أمريكي إسرائيلي، وما يحدث من إبادة لأبناء الشعب الفلسطيني على مدى عقود، تحركت بعض أبناء الأمة وعلى رأسها محور المقاومة للوقوف بجانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو واجب ديني وحق إنساني. فتحرك المرجفون للضغط على من تحرك واتهامه أنه يريد افتعال الأزمات وإدخال البلاد في حرب، لكن كل هذه ذرائع واهية، وإنما هي من أجل الحفاظ على دنياهم على حساب دينهم.

والكثير من الشعوب يظنون أنهم أذكياء وأنهم بسكوتهم حافظوا على مصالحهم من الدمار والضياع، وينظرون إلى الشعوب في محور المقاومة كالشعب الفلسطيني المظلوم وشعب إيران الباسل وشعب اليمن المجاهد والشعب العراقي الأبي أنهم أغبياء وألقوا بأنفسهم إلى التهلكة بسبب دعمهم لمحور المقاومة وبسبب تمسكهم بدينهم. لكن كل هذه ليست خسارة؛ سواء تشردت أو تحاصرت أو استشهد أفراد أسرتك أو جُرحت أو جعت وعطشت، فالخسارة الحقيقية هي خسارة الآخرة، خسارة الجنة. فلا ندم ولا قلق ولا وهن ولا تراجع في سبيل اعلى دين الله ونصرة المستضعفين، فخلفها جنة عرضها السماوات والأرض، ويترتب عليها عزة في الدنيا والآخرة. وأما من قدم دنياه على آخرته فيجب أن يراجع نفسه لأنه أضاع الجنة، أضاع دار الخلود وفضل عليها دنيا الهلاك. فيجب أن نتبع ما أمرنا الله ونكون أمة واحدة ضد أعدائها، فنسأل من الله أن يثبتنا على دينه، وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب