السياسية || محمد أحمد الجوهري*

في زمن أصبحت فيه المبادئ تجزأ حسب المصالح، تبرز واحدة من أغرب الظواهر الإنسانية وأكثرها إيلاماً: أن يجد المرء نفسه يشارك عدوه الفرح أو يبتهج لانتصار من يستبيح دمه وأرضه وعرضه. هذا التناقض ليس مجرد سقطة سياسية، بل هو انكسار في البوصلة الأخلاقية. فكيف يستقيم لمن ينتمي لأمة الإسلام التي تتبنى ثقافة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تجده يشارك عدوه الذي أباد شعباً بأكمله على مدار عقود من الزمن؟ بغض النظر عن إسلامك، من باب الإنسانية لا تحتاج أن تكون مسلماً لكي تتعاطف مع شعب فلسطين، بل تحتاج أن تكون إنساناً، أن يكون لديك فطرة نقية.

لأن ما يقوم به اليهود شيء شنيع تجاوز كل الحدود؛ إبادة جماعية لشعب بأكمله، حصار من الطعام والشراب والدواء، حتى إنه من هول الإجرام الذي تعرض له أهل غزة، وبسبب تدمير العدو لبيوتهم وتشريدهم، مات من البرد الكثير من الأطفال. نعم، ماتوا بجميع الطرق: من القصف الجوي والمدفعي، من القتل المباشر من قبل المشاة، من القنص، من الدهس لهم بالدبابات، من الجوع، من المرض، ومن الضرب والتعذيب. شعب عربي مسلم يُقتل ويُباد وتُنتهك أرضه وعرضه، والشعوب العربية تشاهد، بل وتقوم بحصاره وتجويعه. لقد تحرك كل من في قلبه رحمة في هذا العالم؛ تحرك شاربو الخمور ومرتكبو الفواحش والراقصات، جميعهم أثرت فيهم مظلومية الشعب الفلسطيني.

وخرجت مظاهرات في العديد من الدول الأوروبية وغيرها تطالب حكوماتها بقطع العلاقات مع إسرائيل، ونشاهد أن الإسرائيليين أصبحوا مكروهين حول العالم ويتعرضون لمضايقات في جميع دول العالم، كل هذا بسبب الفطرة الإنسانية والغريزة البشرية. فما بالك بنا نحن أمة محمد، الذين نعتنق نحن والشعب الفلسطيني ديناً واحداً ونحن شعب واحد، ولدينا توجيهات إلهية واضحة بالوحدة، وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وأن ندافع عن أنفسنا ضد أي عدوان؟ ورغم هذا لم يتحرك العرب والمسلمون لنصرة فلسطين. وعندما تشاهد الموقف تقول: شعوب مغلوب على أمرها، حكومات عميلة، أنظمة مطبعة.

لكن أن تشاهد عربياً مسلماً يشارك إسرائيل الفرح، فهذه فاقت كل التصورات والتوقعات. رغم كل الخلافات الحاصلة، فالجمهورية الإسلامية هي الداعم الأول لمحور المقاومة، وهي التي حملت همّ الإسلام على عاتقها في وقت تخلى فيه العرب عن هذه المسؤولية. القرآن والعرب أحق بأن يحملوا مسؤولية الدفاع عن الأمة ومقدساتها؛ نعم الشعب الفلسطيني شعب عربي، والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين ولم ينزل بلسان فارسي، لكن الجمهورية الإسلامية هي من حفظت ماء وجه الأمة في وقت أضاع فيه العرب تعليمات الدين الحنيف وانحرفوا، ولم يكتفوا بخذلان الإسلام والمسلمين، بل أصبحوا يدعمون إسرائيل، يتصدون لصواريخ إيران، والطائرات الأمريكية تقلع من أراضيهم.

نعم، إنها قمة الانحطاط أن تدافع عن عدو الأمة وتشاركه فرحه ونسيت كل جرائمه ضد أبناء الأمة العربية؛ حرب 1967 واحتلاله أراضي عربية، وقتل وأسر العديد من الجيوش العربية واحتلال أجزاء من الأراضي العربية. لا ننسى جرائمه في اليمن وقصفه النساء والأطفال، لا ننسى جرائمه في لبنان وقتله المدنيين والعزل، لا ننسى جرائمه في سوريا وقتله للعديد من أبناء هذه الأمة، ولا ننسى ضربه للعراق في الثمانينات أو هذه الأيام. وعندما بدأ عدوانه الغاشم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بدأها بمجزرة في مدرسة ابتدائية للبنات خلف مجزرة كبرى. من يفرح معهم فهو ليس إنساناً قبل أن يكون عربياً أو مسلماً.

إن مشاركة إسرائيل فرحها يعني أنك تخليت عن كامل قيمك الإنسانية الفطرية، وأنك وحش بلا أخلاق، لا تنتمي لأمة الإسلام والمسلمين؛ فمن لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، فالإسلام دين الأخلاق، دين القيم، دين الإنسانية، ودين العدل.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب