في الجنوب.. فتاوى ابن تيمية تستأصل الشوافع
السياسية || محمد محسن الجوهري*
ابن تيمية هو صنم السلفيين ونبيهم، ولا قول عندهم يعلو فوق قوله، وهو من دعاة الفتنة ومن المحرضين على الاقتتال بين المسلمين، ولم يسلم من تكفيره أحد بما في ذلك أتباع المذهب الشافعي، وهم الطائفة الأكبر في العالم الإسلامي. والأغرب أن تكفيره لهم ودعوته لقتلهم هي لأنهم -أي الشافعية- يجهرون بالنية في الصلاة؛ حيث أفتى باستتابة من يجهر بها أو يقتل إذا لم يرتدع عنها.
وبالنظر إلى حجم الفتوى رغم بساطة الخلاف، نتأكد بأن ابن تيمية هو الأب الروحي للجماعات التكفيرية التي تقتل اليوم كل من يخالفها في الرأي، ولنا في سورية خير مثال على خطورة هذا الفكر على المسلمين. وبالتالي، فإن التقديس لهذا الداعية وترميزه هو مشاركة فعلية في كل الجرائم التي ترتكب اليوم باسمه وبفتاويه؛ وحتى لو كان الحديث عنه يتناول أموراً سطحية، فإن الإبقاء عليه كمرجع فقهي يشرعن الإبادة الجماعية التي طالت الكثير من المسلمين في سورية والعراق وسائر البلاد المسلمة.
وعندنا في اليمن، فإن الشافعية يشكلون نسبة كبيرة من السكان، خاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية، وهؤلاء بحسب الفكر الوهابي "كفار" ويجب استتابتهم أو قتلهم؛ أي أن أكثر من نصف السكان في اليمن محكوم عليهم بالإعدام وهم بانتظار تنفيذ الحكم. وهذا يفسر -ربما- النظرة الدونية تجاههم من قبل النظام السعودي وأدواته من الوهابية وحزب الإصلاح، وكلهم مجمعون على تقديس ابن تيمية.
وقد رأينا خلال سنوات العدوان الكثير من الاعتداءات التي طالت الشخصيات الشافعية واعتدت على الكثير من مقاماتهم الدينية على مرأى ومسمع من الاحتلال السعودي في الجنوب، ونتذكر في سنة 2018، كيف أقدم جنود موالون لحزب الإصلاح على قتل "الحبيب عيدروس بن عبدالله بن سميط" في منزله بمدينة تريم في جرآة تعكس حجم التثقيف الوهابي لدى جنود ما يُسمى بالشرعية.
والقائمة تطول وأغلبها في حضرموت، أهم مراكز الشافعية في اليمن، حيث لم يقتصر الأمر على التكفير والاغتيالات، فقد امتد أيضاً ليطال المساجد والأضرحة التاريخية، مثل قبة ولي الله الصالح يعقوب وضريح المحجوب وعدد كبير من الاضرحة في مدينة المكلا، أما في غيل باوزير، فقد دُمرت سلسلة من القباب التاريخية، أهمها: (قبة الحقاص، ومول الجيش، والسيد حسين، والشيخ بن سالم، وقبة شداد)، ولم يتوقف الأمر عند الهدم، بل وصل إلى نبش قبور الشيوخ والعبث برفاتهم في تعدٍ صارخ على حرمة الموتى. وفي مدينة الشحر، طالت معاول الهدم ضريح الحبيب حمد بن صالح بن الشيخ أبوبكر بن سالم، لتؤكد أن الهدف هو محو الرموز الشافعية التي تخالف العقيدة الوهابية الوافدة.
أما في تعز، فقد تجلت وحشية هذا الفكر في أبشع صورها على يد "جماعة أبو العباس" السلفية، التي اقتحمت قبة وضريح الشيخ الصوفي عبد الهادي السودي في المدينة القديمة. هذا المعلم الذي صمد لقرابة 800 عام، تعرض للنهب ثم التفجير الكلي، مما تسبب في إصابة 20 مدنياً من سكان المنطقة. كما لم ينجُ مقام الشيخ عبد الله الطفيل في منطقة ثعبات من المصير ذاته، حيث سُوّي بالأرض عبر العبوات المتفجرة.
ورغم أن التيارات السياسية في الجنوب، وهي شافعية المذهب، رحبت بالغزو السعودي للبلاد، كحال المجلس الانتقالي وغيره، إلا أن هذه التنظيمات لم تسلم من النظرة الدونية وتعرضت هي الأخرى للقتل والتهميش من قبل النظام السعودي وأدواته الوهابية، فالحكم بحقهم هي فتاوى "الاستتابة أو القتل" التي نادى بها ابن تيمية ضد مخالفيه، وجسدتها السعودية في اليمن أيما تجسيد، وهذا الاستهداف يسعى لطمس "الذاكرة الجمعية" لليمنيين، ويسعى لكسر الارتباط بالرموز الروحية التي شكلت صمام أمان أمام موجات التطرف.
وبناءً على ذلك، فإن الإبقاء على هذه المرجعيات الفقهية كـ "نصوص مقدسة" لا تقبل النقد، يمثل تهديداً وجودياً لما تبقى من النسيج الاجتماعي. فالفكر الذي يشرعن هدم مقام عمره 800 عام، لن يتردد في شرعنة إبادة البشر الذين يرفضون الانصياع لرؤيته الأحادية. ومعركة الجنوب هي معركة وجودية ضد فكر "الاستتابة" الذي حول اليمن من "بلد الحكمة والإيمان" إلى ساحة لتصفية الحسابات المذهبية وهو ما يستدعي يقظة فكرية تعيد لليمنيين اعتزازهم بوسطيتهم وتاريخهم الذي كان يتسع للجميع قبل أن تلوثه رياح التكفير الوافدة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

