السياسية || محمد محسن الجوهري*

مؤخراً، ظهر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معتذراً لدول الخليج بأسلوب دبلوماسي، وهو ما اعتبرته واشنطن وحلفاؤها هزيمة لطهران، إلا أن الوقائع اللاحقة نقضت كلياً هذه الرؤية غير الصحيحة؛ فالقصف على الأهداف الأمريكية في الخليج مستمر، وسبق لإيران أن اعتبرت تلك القواعد أرضاً أمريكية.

إلا أن اللافت هو ظهور محمد بن زايد مباشرةً بعد تصريحات بزشكيان متهدداً ومتوعداً للجمهورية الإسلامية، ومحذراً من أن "لحم الإمارات مر وجلدها غليظ" حسب وصفه، وكأنه على وشك الانخراط المباشر في الحرب، وهذا ما تريده "تل أبيب" وما خططت له منذ زمن، وقد تحدث إعلامها عن تنسيقٍ عسكري مع الخليج بشأن المواجهة الحالية، وأن قادة الخليج عبروا عن تمنيهم سقوط الجمهورية الإسلامية.

إلا أن الواقع الميداني لا يختلف عن الحديث القرآني عن طبيعة العلاقة بين الكيان ودول الخليج، وبأن تحالفهم إلى فشل ذريع؛ ففي سورة الحشر يتحدث القرآن بالتفصيل عن المؤامرة وخاتمتها: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ". فهنا يتحدث عن طبيعة المؤامرة وحيثياتها قبل الحرب، فهم مجمعون على العداء للإسلام وأهله، ومتفقون على ضرورة إزالة المسلمين من الوجود، لكن الأمر سرعان ما يختلف حين تصير الأمور حرباً فعلية: "لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ ۖ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ".

تصوير دقيق للنهاية؛ فدول الخليج، رغم الوعود بالمناصرة، إلا أنهم سيتخلفون عن ذلك ولن يشاركوا في أي عملٍ عسكري ضد الجمهورية الإسلامية، وإن غامروا بذلك فسيفتحون على أنفسهم باب الهزيمة المنكرة، وقد يؤدي فرارهم هنا إلى زوال كياناتهم السياسية المعتمدة على الاستقرار الأمني بشكلٍ رئيسي.

ثم يوضح الله عز وجل لماذا هم على هذه الحالة من الانهزامية وما هو سر ضعفهم في الميدان، فيقول: "لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ. لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ۚ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".

وهذه الآيات تختصر واقع الدول الخليجية، فهم يخشون إيران أكثر من خشيتهم لله، وهذا واضح؛ فلو كانوا يخشون الله ما ذهبوا إلى التطبيع والخيانة، ولما جعلوا أوطانهم بؤرة للإفساد الأخلاقي، وهذا نتاج فهمهم الخاطئ للإسلام، فالعقائد التي يتبنونها ليست من الدين في شيء لأن مرجعياتها غير إسلامية، ولذلك هم لا يفقهون قواعد الصراع. كما أن العداء بينهم شديد، وهذه آية أخرى تكشف طبيعة العلاقات بين دول الخليج؛ فالأزمة الخليجية مع قطر، ثم الصراع بين السعودية والإمارات، والخلافات الحدودية والاقتصادية بين دول الخليج، تؤكد أنهم على عداء شديد مع بعضهم البعض حتى لو كانوا يشكلون اتحاداً شكلياً مثل "مجلس التعاون الخليجي" وغيره من الاتفاقيات الضامنة لوحدتهم الداخلية.

وفي الأخير، فإن مصير المنافقين اليوم لن يختلف كثيراً عن مصيرهم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الهزيمة وخسران كل ما بنوه من قبل، وقد بدأت بوادر ذلك في التشكل؛ فالحرب الحالية كلفت اقتصادهم الكثير وجعلت مستقبلهم مظلماً، وها هي الشركات ورؤوس الأموال تهرب من بلادهم، وسيأتي اليوم الذي يهربون فيه من بيوتهم، فهذه سنة الله في المنافقين في كل عصرٍ وزمان، أما مصير الكيان فهو نفسه "وعد الآخرة" الذي تحدث عنه السيد القائد مراراً في محاضراته الرمضانية.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب