السياسية || محمد محسن الجوهري*

في برنامجه الشهير "مع هيكل"، يؤكد الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل أن من عجائب العرب وقوفهم ضد الثورة الإسلامية في إيران، رغم أنها أزاحت نظام الشاه الذي كان من ألد أعداء العرب وحليف الصهاينة الأول في المنطقة. وشدد هيكل على أن العداء العربي للجمهورية الإسلامية ليس نابعاً من أي خلافات مذهبية، كما تصوره بعض الأنظمة العربية، وإنما يأتي تنفيذاً للاستراتيجيات الصهيو-أميركية لفرض نفوذها ولدحر كل القوى المعادية للكيان الإسرائيلي.

كما دعا هيكل أصحاب القرار العربي إلى ضرورة "سبق إسرائيل وأمريكا إلى إيران"؛ فبدلاً من الانجرار وراء دعايات الفتنة، يجب على العرب التفكير بمصالحهم القومية البحتة؛ إذ إن وجود قوة إقليمية تقف في وجه الأطماع الإسرائيلية هو مصلحة عربية بالأساس، بغض النظر عن الاختلاف في التوجهات أو الأهداف الخاصة لكل طرف. فالتحالف مع إيران يأتي من باب الواقعية السياسية التي تضع الجغرافيا والتاريخ فوق الخلافات العابرة.

وبالفعل، فإن تشخيص الكاتب والمفكر المصري الكبير في محله؛ فالعرب بعدائهم لإيران يتحركون عكس مصالحهم القومية التي تقتضي منهم الوقوف إلى جانب كل صوت يدعم الحق الفلسطيني ويساند الأمة العربية في مواجهة أشرس هجمة تستهدف دينها ومصالحها وحتى وجودها. فالعدو الذي يعمل على إبادة الشعب الفلسطيني لعروبته، لن يتوقف عند أي حد في عدائه لغيرهم من أبناء جلدتهم، وقد رأينا مؤخراً كيف تجاهر تل أبيب بمضيها في تنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى" الذي سيتسبب بإبادة نصف العرب تقريباً في حال نجاحه.

ولعل دول الخليج هي الخاسر الأكبر من العداء لإيران، والواقع اليوم يشهد على ذلك؛ فبعد سقوط الشاه، الذي كان يفرض هيمنته على القرار الخليجي بالقوة، اتجهت دول الخليج للبحث عن وصاية أخرى خلفاً له، ولم تستغل مناخ الحرية لتعزيز موقفها من القضية الفلسطينية، وإنما تمادت أكثر في التبعية للعدو الإسرائيلي على أكثر من صعيد؛ ومن أبرز ذلك العداء المباشر للشعب الفلسطيني، ثم معاداة كل الداعمين لخياره التحرري، وأولهم الجمهورية الإسلامية.

واليوم، تقف دول الخليج على مفترق طرق؛ فالعدو الإسرائيلي يفرض عليها الدخول في حربه ضد إيران، وهذا التهديد يؤكد مدى تمادي الصهاينة في إذلال حلفائهم، وحتى لو انضموا إلى معسكره فإن ذلك لن يدفع عنهم المخاطر الصهيونية القادمة المرتبطة بمشروع "إسرائيل الكبرى"، فيما بقاؤها على الحياد يتعارض مع وجود قواعد عسكرية ومحطات استخباراتية غربية وإسرائيلية على أرضها، وهذا يعطي لإيران الحق في ضربها حتى لو كلف ذلك زوال الأنظمة الخليجية.

والأشرف لتلك الدول أن يكون لها موقف تحرري واضح، وأن تعلن عداءها للكيان وتطالب بطرده من أرضها؛ لما في ذلك من حماية لمصالحها واقتصادها، فهي في وضعية حرجة إذا استمرت على حال التبعية العمياء للصهاينة. وما أسوأ أن تسقط تلك الدول وتتلاشى بسبب عمالتها لا بسبب مواقفها المشرفة، بخلاف الجمهورية الإسلامية التي تقدم التضحيات الكبيرة في سبيل الله ونصرة المستضعفين في العالم، وأولهم أبناء الشعب الفلسطيني المظلوم.

يتضح من رؤية الأستاذ محمد حسنين هيكل ومن القراءة العميقة لواقع المنطقة، أن استمرار حالة العداء العربي الإيراني لا يخدم سوى طموحات المشروع الصهيوني الساعي للتفرد بالمنطقة وتفتيت قواها الحية. إن الرهان على التحالف مع الكيان الإسرائيلي أثبت فشله تاريخياً وأخلاقياً، ولم يورث المراهنين عليه سوى الارتهان والتبعية؛ لذا فإن المصلحة القومية العربية العليا تفرض اليوم تجاوز الحساسيات المصطنعة، والتوجه نحو بناء تكامل إقليمي يرتكز على وحدة المصير والجغرافيا. فالبقاء في هذه المنطقة لن يكون إلا للأطراف التي تملك إرادة التحرر، وتدرك أن أمن الخليج والقاهرة وبغداد لا ينفصل عن صمود غزة والقدس، وهو صمود يقتضي بالضرورة الوقوف مع كل من يحمل راية العداء الحقيقي للكيان، وفي مقدمتهم إيران، بعيداً عن أوهام الصراع التي تغذيها القوى الاستعمارية.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب