القواعد الأمريكية: حمايةٌ لكَيان الاحتلال لا للعرب
شاهر أحمد عمير*
شهدت المنطقة العربية خلال العقود الماضية انتشارًا واسعًا للقواعد العسكرية الأمريكية في عدد من الدول، وقد رُوِّج لهذا الوجود على أنه ضرورة لحماية تلك البلدان وضمان أمنها واستقرارها في مواجهة التهديدات المختلفة.
لكن الوقائع أثبتت أن هذه القواعد لم تكن أبدًا وسيلة لحماية الدول العربية أَو درعًا لأمنها القومي، بل كانت جزءًا من منظومة أكبر هدفها الأَسَاسي حماية العدوّ الإسرائيلي وتمكينه من الاستمرار في سياساته العدوانية ضد شعوب الأُمَّــة الإسلامية.
لقد اعتقدت بعض الأنظمة العربية أن السماح بوجود القواعد الأمريكية على أراضيها سيجعلها في مأمن من الأخطار، وأن واشنطن ستقف إلى جانبها في أية مواجهة تهدّد استقرارها.
إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك تمامًا؛ إذ تبين أن هذه القواعد لم تؤدِّ حتى وظيفة حماية البلدان التي توجد فيها، ولا الأنظمة التي سمحت بوجودها.
بل إن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تلك الأنظمة نفسها أصبحت مطالبة بحماية القوات الأمريكية وقواعدها العسكرية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة غير المتكافئة التي تحكم هذا الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة.
واليوم تتضح الصورة بشكل أكثر صراحة؛ إذ لم تعد هذه القواعد مُجَـرّد مراكز دعم أَو مراقبة، بل تحولت إلى منصات عسكرية تُستخدم في شن الهجمات الأمريكية ضد دول المنطقة، مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق واليمن، منطلقًا من الأراضي العربية نفسها.
وبدلًا من أن توفر هذه القواعد الحماية للدول المستضيفة، أصبحت عبئًا عليها، تُجبرها على الدفاع عن هذه القواعد والتصدي للهجمات التي تستهدفها، بينما تُستنزف مواردها وثرواتها؛ بذريعة حماية “الأمن المشترك”.
إن القواعد الأمريكية في البلاد العربية لم تُنشأ مِن أجلِ حماية هذه الدول أَو الدفاع عن شعوبها، وإنما جاءت في سياق استراتيجية أوسع تهدف إلى ضمان التفوق الإسرائيلي وإبقاء العالم العربي في حالة من التبعية الأمنية والسياسية.
فوجود هذه القواعد يتيح لأمريكا التدخل المباشر في شؤون المنطقة، ويوفر لها القدرة على إدارة الصراعات بما يخدم مصالحها وحليفتها كَيان الاحتلال، حتى لو كان ذلك على حساب أمن واستقرار الدول العربية نفسها.
كما أن مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي اتجهت إليه بعض الدول العربية رُوِّج له أَيْـضًا على أنه طريق للاستقرار والتنمية وفتح آفاق جديدة من التعاون.
غير أن الوقائع كشفت أن هذا المسار لم يجلب الطمأنينة الموعودة، بل أَدَّى في كثير من الأحيان إلى تعقيد الأوضاع وإدخَال المنطقة في حسابات أمنية وسياسية أكثر خطورة.
فالتطبيع لم يغيّر من طبيعة المشروع الصهيوني القائم على الهيمنة والتوسع، ولم يحوّل هذا الكيان إلى شريك حقيقي في تحقيق الاستقرار، بل ظل عاملًا أَسَاسيًّا في تأجيج الصراعات وزيادة التوتر في المنطقة.
ويستخدم الكيان الصهيوني أحيانًا ضرب بعض المنشآت في دول الخليج ليتهم إيران، ويدفع بهذه الدول إلى مواجهات تخدم مصالحه الاستراتيجية، وفي مثل هذه الحالات تصبح تلك الدول أدوات في صراع أكبر يُراد له إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، دون أن تكون هي المستفيد الحقيقي من نتائجه.
إن المرحلة الراهنة تمثل لحظة تاريخية فارقة في مسار الصراع في المنطقة، حَيثُ تتكشف فيها الكثير من الحقائق التي كانت غائبة أَو مغيَّبة عن الرأي العام.
وفي هذا السياق يؤكّـد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن هذه المرحلة هي مرحلة فرز ووضوح، تتحدّد فيها المواقف بشكل صريح، ويظهر فيها من يقف إلى جانب قضايا الأُمَّــة ومن يضع إمْكَاناته وقدراته في خدمة المشروع الصهيوني.
إن أكبر الخاسرين في هذه المرحلة هم أُولئك الذين يراهنون على التحالف مع القوى المعادية للأُمَّـة أَو يضحون بإمْكَاناتهم ومواردهم في خدمة المجرمين من اليهود الصهاينة.
فالتاريخ أثبت أن الشعوب التي تتمسك بقضاياها العادلة وتدافع عن كرامتها وسيادتها هي التي تصنع مستقبلها بيدها، أما الارتهان للقوى الخارجية فلن يجلب إلا المزيد من الأزمات والتبعية.
وفي ضوء ما تشهده المنطقة اليوم من تحولات عميقة، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في السياسات التي اتُّبعت خلال العقود الماضية، وعلى رأسها الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية والسماح بوجود قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي العربية.
فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقّق إلا بإرادَة الشعوب واستقلال القرار الوطني، وبناء قدرات ذاتية قادرة على حماية الأوطان والدفاع عن مصالحها بعيدًا عن أية هيمنة أَو وصاية خارجية.
وعندما تدرك شعوب المنطقة هذه الحقيقة وتتمسك بها، فإنها ستكون قادرة على تجاوز كُـلّ التحديات، وبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا، مستقبل تصنعه الإرادَة الحرة بعيدًا عن الهيمنة والوصاية، وتُصان فيه كرامة الأُمَّــة وتُحمى فيه مصالحها وسيادتها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

