طوفانُ الجنيد*

لطالما كانتِ المعركةُ بين الحقِّ والباطلِ تتجاوزُ المواجهةَ العسكريةَ، لتصلَ إلى «صناعةِ الوعي» وتزييفِ الحقائق. في المحاضرةِ الرمضانيةِ الرابعةَ عشرة، يسلِّطُ السيدُ القائدُ الضوءَ على النموذجِ الفرعونيِّ في تضليلِ الجماهير، معتبرًا أنَّ ما واجهه موسى عليه السلام هو أولُ حربٍ إعلاميةٍ منظَّمة سجَّلها القرآن الكريم، لتكونَ درسًا للأجيال.

1- استراتيجيةُ التشويهِ الشخصي وكيِّ الوعي
بدأ فرعون حربَه الإعلاميةَ بمحاولةِ ضربِ مصداقيةِ القائد (موسى عليه السلام).
اعتمدتِ الماكينةُ الإعلاميةُ الفرعونيةُ على محورين:
الاتهامُ بالسحر: لمحاولةِ تفسيرِ المعجزات (الحقائق) على أنَّها مجرَّد خداعٍ بصريٍّ وتقنياتٍ تضليلية.
الطعنُ في القدرةِ البيانية: استغلالُ فرعونَ لعُقدةِ لسانِ موسى (قبلَ حلِّها) ليقولَ للناس:
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ.

التجسيدُ المعاصر:
نجدُ اليومَ قوى الاستكبارِ تستخدمُ البروباغندا لتشويهِ رموزِ المقاومةِ وأعلامِ الهُدى، عبرَ وصمِهم بـ«الإرهاب» أو الرجعية، ومحاولةِ صرفِ الأنظارِ عن جوهرِ مشروعِهم العادلِ إلى تفاصيلَ جانبيةٍ أو عيوبٍ مختلقة.

2- إثارةُ المخاوفِ الوجودية (فوبيا التغيير)
لم يكتفِ فرعونُ بتشويهِ موسى، بل لعبَ على وترِ الأمنِ القوميِّ والحرصِ على استقرارِ المجتمع. خاطبَ فرعونُ ملأه قائلًا:
«إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ».
قلبُ الحقائق: صوَّرَ فرعونُ (الطاغيةَ والمفسدَ) نفسَه في دورِ الحامي للقيمِ والدين، وصوَّرَ موسى (المصلحَ) في دورِ المفسد.
استخدامُ النخبة (الملأ): دورُ الإعلاميين والمثقفين المأجورين في ترويجِ هذه المخاوفِ وتضخيمِها.

3- سحرةُ الإعلام في العصرِ الحديث
أوضحَ السيدُ القائدُ في محاضرتِه أنَّ السحرةفي قصةِ موسى لم يكونوا مجرَّدَ مؤدِّينَ لعروضٍ ترفيهية، بل كانوا الأداةَ الإعلاميةَ الضاربةَ التي استخدمها النظامُ الفرعونيُّ لـ«سحرِ أعينِ الناسِ واسترهابِهم».

سلاحُ التشكيكِ في النوايا
ركَّزَ الإعلامُ الفرعونيُّ على إيهامِ الناسِ بأنَّ تحرُّكَ موسى ليسَ طلبًا للعدالة، بل هو صراعٌ على السلطةِ والمناصب، فقالوا:
«وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ».

في واقعِنا اليوم:
عندما يتحرَّكُ أحرارُ الأمةِ لمواجهةِ الهيمنةِ الأمريكيةِ–الصهيونية، تنبري الوسائلُ الإعلاميةُ التابعةُ للمستكبرين لتقولَ إنَّ هذه التحركاتِ هي لأهدافٍ سياسية أو «أجنداتٍ خارجية»، تمامًا كما فعلَ فرعون.

الخلاصة:
كيف ننتصرُ في حربِ الوعي؟
تؤكِّدُ المحاضرةُ أنَّ الردَّ على هذه الحربِ الإعلاميةِ يتمثَّلُ في «البصيرة» والتمسُّكِ بـالحقِّ الواضح.
فكما تلاشتْ حبالُ السحرةِ وعِصيُّهم أمامَ عصا موسى التي التهمتِ الإفكَ، يتلاشى التضليلُ الإعلاميُّ المعاصرُ أمامَ الصدق والمواقفِ المبدئية والتحرُّكِ الواعي للجماهير.
إنَّ معركةَ اليومِ هي معركةُ تبيين، والمسؤوليةُ تقعُ على عاتقِ كلِّ من يملكُ صوتًا أو قلمًا لكشفِ الفراعنةِ الجددوأساليبِهم التي لم تتغيَّرْ منذُ آلافِ السنين، سوى في الأدواتِ والوسائل.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب