السياسية || محمد محسن الجوهري*

لم تختلف شهادة الإمام علي الخامنئي عن حياته، فقد بذلهما معاً لله استجابةً لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وهكذا، إذا تأملنا سيرة حياته، فسنرى أن الإنجازات الشخصية تتلاشى أمام نذره حياته كلها لله؛ لذا رأيناه -حتى وهو في عقده التاسع- يتحرك بكل عزيمة ونشاط لخدمة الإسلام والمسلمين، والذود عن قضاياهم بالموقف والقول والفعل. فكل عملٍ مقاوم منذ عام 1989 ضد العدو الصهيوني وضد الهيمنة الأمريكية، كان برعايته وبفضل روحه الثورية التي لم تنطفئ حتى التحاقه بالرفيق الأعلى.

وقد كانت القضية الفلسطينية في فكر الإمام الخامنئي "قضية الإسلام الأولى" والمركز الذي تدور حوله كل تحركاته. فقد آمن بأن زوال الكيان الصهيوني هو ضرورة إنسانية وشرعية، وسخّر لمدّ المقاومة الفلسطينية بكل أسباب القوة -مادياً وعسكرياً ومعنوياً- دون تمييز مذهبي، مؤكداً أن وحدة الأمة الإسلامية تتجسد في خندق الدفاع عن القدس، ومحولاً "يوم القدس العالمي" من تظاهرة رمزية إلى استراتيجية عمل مستمرة.

فبخلاف الأنظمة العربية، وقف الإمام الخامنائي إلى جانب فلسطين ولبنان بالدعم السياسي والإعلامي، إضافة إلى كونه المهندس الأول لكسر معادلات القوة التقليدية في المنطقة عبر الدعم العسكري المباشر والنوعي. فبإشرافه وتوجيهه، تحولت فصائل المقاومة في غزة ولبنان إلى جيوش عقائدية تمتلك ترسانة من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة والقدرات الدفاعية المتطورة. فقد كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن "الحق الذي لا تسنده القوة يضيع"، لذا كسر كل قيود الحصار لإيصال السلاح وتكنولوجيا التصنيع للمقاومين، لتمكينهم من الرد على الإجرام الإسرائيلي وردع غطرسته، محولاً بذلك شعار "الدفاع عن النفس" إلى واقع ميداني يفرض معادلات "الرعب المتبادل" ويحمي دماء الأبرياء في وجه آلة القتل الصهيونية.

كما اتسم عهده بالسعي الدؤوب لنقل المسلمين من حالة التشتت إلى "الحضارة الإسلامية الحديثة". وكان يرى في قوة أي بلد مسلم قوةً للإسلام ككل، فدعم حركات التحرر في شتى بقاع الأرض، ورفع لواء الدفاع عن المظلومين في اليمن والعراق ولبنان وسورية. ولم يهادن في قضية كرامة المسلمين، وظل يؤكد أن سر الانتصار يكمن في "الثقة بالوعد الإلهي" والاعتماد على الذات، بعيداً عن التبعية للغرب أو الشرق، مما جعل من نهجه مدرسةً في العزة السياسية والأنفة الإيمانية.

لقد كان قرآني التوجه، ومن هنا تبلورت رؤيته حول الصهيونية باعتبارها الخطر الشيطاني الذي حذر منه سبحانه وتعالى، كما أن "إسرائيل" هي "غدة سرطانية" تهدف إلى الهيمنة على مقدرات الشعوب وقرارها السياسي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، كان يرى أن العداء للصهيونية هو الاختبار الحقيقي والميزان الأدق لاستقلال الشعوب؛ فالدول التي تخضع للإرادة الصهيونية تظل سيادتها ناقصة ورهينةً لإرادة الخارج.

إن مواجهة هذا المشروع، في نظر الإمام، تتطلب "يقظة فكرية" تدرك أساليب التضليل الإعلامي والثقافي الذي تمارسه الصهيونية العالمية لتزييف وعي الأجيال. إنها مقاومة شاملة تستهدف كسر القيود الفكرية والنفسية التي تكبل إرادة "الأمم المستضعفة"، وتحول بينها وبين استعادة ثقتها بنفسها وقدرتها على بناء حضارتها المستقلة. فالمعركة -بتعبيره- هي معركة "إرادات"، والانتصار فيها يبدأ من التحرر من التبعية الفكرية لمنظومة الاستكبار الصهيوني، وصولاً إلى فرض السيادة الكاملة على الأرض والمصير، ليكون العالم خالياً من غطرسة الكيان الذي يقتات على تفتيت وحدة المسلمين وإخضاع أحرار العالم.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب