التدرّج اليمني في مسار المواجهة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار الصراع الإسلامي–اليهودي، لما يُتوقَّع أن يترتب عليها من تحولات عميقة في موازين القوة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. غير أن هذا المسار لا يُفهم كحدث سريع أو مواجهة عابرة، وإنما كعملية طويلة تتطلب زمنًا ممتدًا وتضحيات جسيمة، إذ إن التحرر لا يتحقق دون كلفة، ولا تُنتزع الحقوق دون صبر وجهاد وبذل في سبيل الله.
ويُظهر تتبع مسار الأحداث في اليمن أن المشروع القرآني التحرري خاض الصراع وفق مراحل متدرجة. فقد بدأت المواجهة مع القوى المحلية المرتبطة بالمشروع الصهيوني، ممثلة بنظام علي عبد الله صالح وأدواته، ثم انتقلت إلى مستوى إقليمي مع أنظمة الرياض وأبوظبي، وصولًا إلى مرحلة بات فيها الصراع مباشرًا مع مراكز القرار الداعمة للكيان الصهيوني في تل أبيب وواشنطن. ويُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها ذروة المسار، مع الإيمان بحتمية النصر مهما بلغت التضحيات.
وتشير المقارنة الزمنية بين المراحل السابقة إلى طبيعة هذا التدرج؛ إذ استغرقت المواجهة الداخلية ست حروب خلال ست سنوات، وامتدت المرحلة الإقليمية قرابة ثماني سنوات، في حين تُقدَّر المرحلة الثالثة بزمن لا يتجاوز عقدًا واحدًا. ويُعد هذا الزمن محدودًا قياسًا بحجم التحولات الكبرى المتوقعة. ويُستحضر في هذا السياق مفهوم العناية الإلهية التي صاحبت مسيرة الصراع منذ بداياته، حيث تحقق النصر في ظروف بدت في حينها بعيدة عن أي حسابات واقعية.
وفي المرحلة الراهنة، تهيأت إمكانات جديدة وظروف مختلفة، وأصبح الوصول إلى عمق الكيان الصهيوني أمرًا ممكنًا، مع ما يحمله ذلك من تأثير على أمنه واستقراره ومستقبل وجوده في فلسطين. وتمتلك اليمن أوراق ضغط متعددة، سواء عبر قدرات أبنائها في الداخل والخارج، أو من خلال شبكة الأحرار المتحالفين معها في مختلف أنحاء العالم. ومع تراكم هذه العوامل، تدخل مصالح العدو وحلفائه دائرة الاستنزاف المستمر، وتبدأ عناصر قوته بالتآكل التدريجي.
ويرتبط هذا المسار، في الوعي العقدي، بفهم أوسع لمعنى الوجود الإنساني، حيث تُقدَّم النصرة لله ورسوله ودينه بوصفها الغاية العليا، ويُنظر إلى التخلي عن فلسطين والقبول بالذل والصمت كخيار يفقد الإنسان قيمته ومعناه. ويُؤكد هذا الطرح أن مثل هذا الخيار لا ينسجم مع هوية الشعب اليمني، وهو ما عبّرت عنه المواقف الشعبية والحشود المتواصلة خلال العقدين الماضيين.
ويحضر اليمن في هذا السياق بوصفه رمزًا تاريخيًا للصمود والمواجهة، حيث ارتبط اسمه في الذاكرة الجمعية بسقوط القوى التي دخلت في صراع مباشر معه. ويُقدَّم هذا البعد الرمزي كعامل ردع معنوي، يُدركه خصومه ويحسبون له حسابًا، في ظل قناعة بأن كل تصعيد باتجاه اليمن يقود إلى نتائج مكلفة لا يمكن احتواؤها.
وخلاصة هذا التصور أن المواجهة المباشرة مع الكيان الصهيوني تُعد مسارًا لا مفر منه في سياق الصراع القائم، وأن التقدم في الصفوف الأولى جزء من مسؤولية تاريخية يُنظر إليها كمنحة إلهية قبل أن تكون عبئًا. ويُستند في هذا الفهم إلى وعد إلهي بنهاية الظلم وزواله، مع التأكيد على أن النصر ثمرة صبر وثبات، وأن لحظة الحسم، مهما تأخرت، تظل أقرب مما يتصور الكثيرون.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

