«أمراء ولصوص».. حجم المؤامرة على قطر وتداعيات الانخراط في العدوان على اليمن
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يُقدم الفصل الحادي عشر من كتاب الصحفي الاستقصائي الأمريكي ماثيو كول، «أمراء ولصوص»، وثيقة استخباراتية بالغة الخطورة تكشف النقاب عن كواليس الترتيبات المالية والسياسية السرية التي دارت عام 2017 بين مثلث أبوظبي والرياض وجاريد كوشنر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الكشف في تعريته لطبيعة التحالفات الإقليمية الهشة؛ حيث يثبت الكتاب أن الإطاحة بنظام الحكم في الدوحة كان شقاً رئيسياً وشرطاً مسبقاً إجبارياً لتمرير مشروع إقليمي واسع يقوم على تصفية القضية الفلسطينية والتطبيع الكامل مع إسرائيل، وتتجلى أبعاد هذه المؤامرة وخيوطها السرية في التناقض الصارخ الذي عاشته الدوحة آنذاك؛
ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة القطرية تشارك عسكرياً ودبلوماسياً في تقديم الدعم المالي واللوجستي للعدوان السعودي-الإماراتي على اليمن، كانت الاجتماعات المغلقة داخل القصور الملكية في أغسطس 2017 تصف قطر بأنها نموذج قديم ينبغي قطعه، مما يوضح أن المشاركة في العدوان لم تمنح قطر أي حصانة استراتيجية لدى حلفائها، ويكشف المؤلف أن تغيير نظام الحكم في الدوحة وتنصيب قيادة ممتثلة تماماً لأبوظبي والرياض كان شرط الرياض وأبو ظبي الرئيسي للتطبيع الكامل مع تل أبيب.
إن هذه الذاكرة التاريخية القريبة تكشف لنا أن اندفاع الدوحة سابقاً وحالياً للمشاركة في العدوان على اليمن، أو أي انخراط مستقبلي في معارك استنزافية خارجية يقودها ذات المحور، يحمل تداعيات كارثية تؤثر بشكل مباشر على أمنها الوجودي واستدامة سيادتها؛ إذ يؤكد الكتاب بما لا يدع مجالاً للشك أن طموحات السيطرة وإخضاع الجيران هي عقيدة جيوسياسية ثابتة لدى الرياض قبل أبو ظبي، وليست موقفاً مؤقتاً، وبالتالي فإن رهن الأمن القطري بالتساوي مع هذا المحور أو تقديم الغطاء له في العدوان على اليمن يمثل انتحاراً استراتيجياً لأن إضعاف القوى الإقليمية الأخرى وتوسيع نفوذ هذا المحور سينتهي حتماً بابتلاع كيان الدوحة المستقل بمجرد تغير الإدارات الدولية.
كما ذكر المؤلف في سياق مراقبة بن زايد لبن سلمان– تبديد الثروات الوطنية على مغامرات عسكرية تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف القدرة الدفاعية والتنافسية بعيدة المدى للدول المشاركة، ليبرز الدرس الأخير من كتاب «أمراء ولصوص» بأن المعيار الحقيقي في العلاقات الإقليمية هو ميزان القوة الصرف والمصالح الأنانية الضيقة، وأن التضامن العسكري لا يوفر أي ضمانة أمنية، فمن قايض بقطر وسعى لغزوها وتغيير نظامها وهي شريكة معه في ذات الخندق العسكري لن يتوانى عن تكرار السيناريو ذاته بمجرد أن تقتضي مصالحه ذلك، وتثبت شهادة ماثيو كول في النهاية أن الحفاظ على الأمن الوجودي لقطر لا يتأتى عبر الانجرار خلف مغامرات عسكرية كـ العدوان على اليمن، بل يتطلب بناء عمق استراتيجي مستقل، والتمسك بالتوازن الجيوسياسي، وحماية المؤسسات الوطنية، فالدول الصغرى لا تحمي سيادتها بالانخراط في حروب المحاور التوسعية بل بالتحصن ضدها وصيانة قرارها السيادي من التبعية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

