السياسية:
محمد محسن الجوهري*



تُمثّل المدرسة الوهابية إحدى أشدّ الآفات الفكرية خطورة على بنية الأمة وعقل أبنائها؛ إذ لا تقف عند حدود تبني الآراء الحادة، بل تتعدى ذلك لتُحدِث تجريفاً شاملاً لمفاهيم التدين السمحة، وتصحر عقلياً يلغي طاقات التفكر والنقد. ولعل تفكيك الخطاب الوهابي يكشف عن مجمل العوار الفكري والمنهجي الذي يقع فيه هذا التيار المتطرف، والذي يُترجَم عملياً في ستة مظاهر رئيسية تُشكل جوهر هذه الحالة المرضية.

يبدأ الاعوجاج الفكري لدى المتشدد الوهابي عندما يتماهى شعورياً مع سلطة غيبية ليست له، فيتصرف وكأنه نُصّبَ حكماً بين الخالق وخلقه، يملك مفاتيح القبول والرفض، ويوزع صكوك الجنة والنار بحسب أهوائه. هذا "التعالي على الله" يُترجم فوراً في أدبيات المشايخ الوهابيين إلى سيلٍ لا ينقطع من أحكام التكفير والتضليل وتكفير المذاهب والأفكار المخالفة، متجاوزين بجهلهم وقسوة قلوبهم الميزان القرآني ومبدأ العدل الإلهي؛ إذ جعل الله سبحانه الحساب بيد ذاته العلية وحدها يوم القيامة، بينما يستبق الشيوخ الوهابيون الحساب الإلهي برفع شعار "الفرقة الناجية" لاحتكار الجنة لأنفسهم وإرسال بقية المسلمين إلى النار.

كما ينطلق الفكر الوهابي من تعطيل طاقة العقل وإلغاء منهج التدبر والتدقيق الذي أمر به القرآن الكريم في آيات لا تُحصى. وبدلاً من أن يكون النص القرآني المحكم هو المرجع الأول والموجه الأساس للبوصلة، يتم إقصاؤه لصالح المنظومات النقلية الحرفية والهياكل القولية الصلبة المتمثلة في نصوص "قال فلان وقال علان". يُفضّل الوهابي أن يتلقى النص مفسَّراً بآراء ابن باز وابن عثيمين وصالح الفوزان بدلاً من إعمال العقل في فهم كلياته، مما يُفضي إلى هجر حقيقي وجفاء عميق لروح النص القرآني الداعية للحرية، والتفكر، والرحمة، وبناء العمران.

ومن المفارقات الخاطفة في الخطاب الوهابي حدوث جفاء واضح وملموس مع سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه الرحيمة المهداة لجميع البشر. في المقابل، يحل محل ذلك تقديسٌ مبالغ فيه لشخصيات تاريخية ومعاصرة كابن تيمية وغيره من رموز التيار؛ حيث تُرفع آراؤهم ومواقفهم واجتهاداتهم البشرية المحتملة للخطأ إلى مرتبة القطعيات والمسلمات التي لا تقبل النقد. لربما يصل الأمر بالمشايخ الوهابيين إلى الانتصار لقول ابن تيمية وتبريره وتنزيهه عن الخطأ، حتى وإن تعارض ذلك مع الحق أو السمت النبوي، مما يجعل الحفاظ على هيبة "الشيخ" مقدماً على الاتباع الواعي للرسالة النبوية.

كما يتميز العقل الوهابي بعجزه التام عن قراءة التاريخ البشري بقسوة نقدية وموضوعية حقيقية؛ فهو يتعامل مع الأحداث والشخصيات التاريخية بمنطق الانحياز المذهبي المسبق. تجد المنهج الوهابي يتكلف التبرير الدفاعي لشخصيات تاريخية ارتكبت جرائم ومآسي بحق الأمة وثوابتها (مثل يزيد بن معاوية)، لمجرد أن ذلك يخدم مقولتهم المذهبية ضد خصومهم التاريخيين. وبذلك يُضحي هذا الفكر بالحقائق التاريخية الناصعة في سبيل حماية الصورة النمطية لفرقته، مستبدلاً الحق بالدفاع عن المظالم لإرضاء العصبية المذهبية.

وتظهر هشاشة الفكر الوهابي بجلاء عند احتكاكه بالواقع السياسي وحركة المجتمع؛ حيث تتسم مواقفه بالتخبط والتناقض الفاضح بين التنظير والتطبيق. فبينما يشتد الشيوخ الوهابيون في تكفير مخالفيهم من الأشاعر والإخوان والشيعه وغيرهم، تجدهم في قضايا الأمة الكبرى يُبدون ليناً غريباً تجاه المشاريع الخارجية، أو يبررون السياسات الرسمية ودعاوى السلام المزعومة بدعوى طاعة ولي الأمر. وفي المقابل، يُسارع هذا الفكر لتخوين وتكفير حركات المقاومة في غزة أو غيرها، مما يكشف عن انفصال تام عن مقاصد الشريعة وعن استغلال سياسي واضح للخطاب الديني.

وتظل النزعة التكفيرية هي الخاتمة الكارثية والنتيجة المحتومة للوهابية؛ إذ إن الوهابي الذي يستسهل تكفير مخالفيه في الفكر أو التعليقات والمناظرات السطحية، ليس سوى مشروع مقاتل مؤجل على الأرض. وللحركة الوهابية تاريخ مدون (كما في غزوات نجد التاريخية) يظهر الاستهانة بإراقة دماء المسلمين واستباحة أموالهم وأعراضهم ونبش القبور وتخريب العمران تحت غطاء ديني زائف يُشرعن الأحقاد ويُلبسها ثوب الجهاد.

وبالتالي فإن تفكيك هذه المحاور الستة يبين بشكل جليّ أن الوهابية ليست مجرد حرص زائد على الدين، بل هي انحراف منهجي خطير يُعطل العقل، ويَهجر القرآن، ويُفني الرحمة النبوية، ليحل محلها الجمود والانغلاق والدموية. ولا سبيل لعلاج هذه الآفة إلا بالعودة الواعية إلى كليات القرآن الكريم، واستعادة الفهم النبوي الراقي للدين، وإعادة الاعتبار للعقل الناقد الذي يميز بين المبادئ والرجال.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب