وسام أبو شمالة*

بإرادته أو بدون إرادته، يرصد الموقف الفلسطيني من التطورات على الساحتين العربية والإسلامية تحت المجهر، ويسعى مختلف الأطراف لتوظيف المواقف الفلسطينية كي تخدم أجندته على صعيدي الرواية والسردية، أو كي تصرف اهتمام الرأي العام الداخلي عن قضية ما، أو لتبرير مواقف سابقة لم تنل الرضى والقبول الشعبي، بيد أن ما يلفت الانتباه أن العامل المشترك في تتبع المواقف الفلسطينية، هو تقصّد شيطنة المواقف الداعمة لمن ساند فلسطين بصدق ودفع ضريبة الدم غالية، ولا يزال مستعداً بل وراغباً في الاستمرار في نهجه ولم يتخلَّ عن موقفه رغم الثمن الباهظ الذي سيدفعه.

إخوان الصدق
لا تخفي القوى الفلسطينية المقاومة، وغالبية الشعب الفلسطيني تقديرها الكبير للمواقف الجيوسياسية والشعبية والعسكرية التي تبنّتها أنصار الله إبان حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، حتى أطلق عليهم الناطق العسكري الفلسطيني الشهيد أبو عبيدة رحمه الله "إخوان الصدق"، وعبرت جميع الفصائل الفلسطينية عن إشادات واسعة بالعمليات العسكرية التي نفذها اليمنيون من أنصار الله في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستهدافهم بالصواريخ الباليستية مواقع إسرائيلية مختلفة، معتبرة أن الخطوات اليمنية الشجاعة شكلت ضغطاً استراتيجياً على "إسرائيل" وحلفائها ودعماً حقيقياً للفلسطينيين في غزة.

لقد تعرّض الشعب اليمني وحكومته وقادته وبناه التحتية لعدوان شرس من الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بهدف ثني أنصار الله عن الاستمرار في خطواتهم الجيوسياسية والعملياتية الداعمة لفلسطين، وعبّر الشعب الفلسطيني عن تضامنه مع الشعب اليمني الشقيق الذي امتزج دمه بالدم الفلسطيني، واعتبر مختلف المكوّنات الفلسطينية أن اليمن وأنصار الله شريكيان أصيلان في مواجهة العدو الحقيقي للأمة "إسرائيل" .

إن الخروج اليمني الجماهيري المليوني الحاشد الذي استمر على مدار الحرب الإسرائيلية على غزة ولم ينقطع ولم يشهد تململاً أو فتوراً، لا يمكن للعقل والذاكرة الفلسطينيين أن ينسياه، وكم تمنّى المواطن الفلسطيني المنهك من الحرب والجوع أن يكون اليمن جاره .

الفلسطيني والشعور بالخذلان
إن شعور الشعب الفلسطيني بخذلان القطاع الأكبر من حاضنته العربية والإسلامية، شعور لا يمكن وصفه وتخيّله، وهذا الشعور لا ينحصر حنقه وغضبه على المستوى الرسمي وعلى الحكومات، بل إن الغصة الأكبر من الشعوب ومن الحركات الإسلامية والقومية والعروبية؛ فالأمل كان معقوداً عليها، أما الحكّام فمواقفهم معروفة سلفاً، ولم يتوقع الفلسطينيون منهم إلا الشجب والإدانة كما اعتادوا دوماً.

لذا فان المستغرب أن يُرتقب من الفلسطيني موقف ضد من سانده وقت الشدة، ولديه الإرادة والعزيمة لمساندته في المستقبل، ولم يكتفِ بشعارات الجهاد وخطب قتال الأعداء، بل ترجم الأقوال بالأفعال، بينما على المقلب الآخر، فمن المستهجن أن يتعاطف الفلسطينيون مع من خذلهم، ومنهم من طعنهم في ظهورهم بل وسعى للنيل منهم بطريقة أو بأخرى.

إن الحقيقة التي يجب ألّا تدهش أحداً أو تزعجهم أن غالبية الشعب الفلسطيني بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية مؤيّدون وداعمون لليمن وقيادة أنصار الله، وهذا موقف مبدئي غير مسيّس أو موجّه، بل موقف عفوي وصادق وطبيعي ومن يتوقع مواقف معاكسة فهو لا يدرك مستوى القهر الذي أصاب الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من كل حركة ونظام ومؤسسة خذلتهم الخذلان الأكبر، كما أن الفلسطيني ما بعد الإبادة غير قادر على مجاملة أحد، وبات يدرك أن تمسكه وارتباطه بأهل الصدق في اليمن ولبنان وإيران والعراق، وإسبانيا وشعوب وشخصيات وحركات الصدق على المستوى العالمي، خير له من الرهان على أهل الشعارات الذين تجدهم أسُوداً في ساحات القتال المذهبي والطائفي ونعامات في مواجهة "إسرائيل" التي باتت على مشارف عواصمهم وقصورهم.

الأجندة الاسرائيلية تدعم المذهبية
إن الشعب الفلسطيني ينظر بفخر واعتزاز لكل من يواجه أعداء الأمة والإنسانية الذين صرّحوا جهاراً نهاراً أن هدفهم الاستيلاء على الأراضي العربية من النيل إلى الفرات، ولا يرون في غالبية الأنظمة إلا تماهياً وخنوعاً واستسلاماً للمخططات الإسرائيلية والاستعمارية، كما أن عدداً ليس قليلاً ممن يُطلَق عليهم ألقاب العلماء والنخب والمفكرين تجنّدوا من حيث يدركون أو لا يدركون، لخدمة أجندات "إسرائيل" وحلفائها، وبدلاً من أن يكون لهم دور في تجميع وتوحيد الأمة وشعوبها ضد العدو الذي لا يختلف على عداوته أحد، تراهم على النقيض مساهمين في تقسيم الأمة على أسس مذهبية وطائفية، ولا يظهر دورهم إلا في الصراعات الداخلية، بينما يختفون عندما تقارع "إسرائيل" وإذا ظهروا فلأجل التشكيك والطعن ولا يزيدون المقاومة وأهلها إلا خذلاناً.

ما يدعم التوجّه الفلسطيني تجاه إخوانهم الصادقين في اليمن، الانزعاج الإسرائيلي الكبير من التطورات المتسارعة فيه والتقدم الذي تحرزه جماعة أنصار الله، ما أثار قلقًا متزايدًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وخشيتها من تداعيات السيطرة اليمنية على مضيق باب المندب الاستراتيجي، والقدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في بعض أجزائه 18 كيلومترًا، ما يجعل تعطيل حركة السفن فيه أكثر سهولة مقارنة بالممرات البحرية الأوسع، وتخشى "إسرائيل" من انهيار ما تسمّيه الردع على الجبهة اليمنية، الأمر الذي دفع قوات الأمن الاسرائيلي لرفع مستوى جاهزيته البحرية، وأعلن قائد سلاح البحرية الإسرائيلي إيال هارئيل عن تعزيز الاستعدادات في المنظومة البحرية ومراكز القيادة والسيطرة، إلى جانب تعزيز القوات في البحر تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.

وترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، أن التطورات في البحر الأحمر قد تمثّل تحولًا استراتيجيًا تتجاوز تداعياته المنطقة، ولا سيما مع الأزمة الأميركية في مضيق هرمز والحرب على إيران، في ضوء اعتماد "إسرائيل" بنحو 98% من وارداتها عبر البحر، ما يجعل أي تهديد للممرات البحرية تحديًا استراتيجيًا بالنسبة إليها، وفي ضوء عدم رغبة الإدارة الأميركية في المشاركة المباشرة في مواجهة اليمن وأنصار الله، الأمر الذي دفع القيادة السعودية لطلب دعم إقليمي بما يشمل "إسرائيل"، وفقاً لعدد من المصادر الإعلامية.

من الطبيعي والمنطقي أن يحكم الشعب الفلسطيني على ما يشاهده بعينيه، وقد عُرف عنه التمتع بمستوى مرتفع من الوعي السياسي، بعد أن صقلته التجارب والمعارك السياسية والعسكرية التي خاضها ضد الاحتلال الإسرائيلي وداعميه والمتعاونين والمطبّعين معه، ويرى الشعب الفلسطيني أن موقفه ممّا يجري على الساحة اليمنية نابع من الوفاء لمن ناصره من جهة، ومن فهم واعٍ للصراع وأطرافه ومن الجهات المستفيدة والمتضررة من جهة أخرى.

* المادة الصحفية تم نقلها حرفيا من الميادين نت