ثقافة الولاية.. الحل الرادع لثقافة "التقنع"
السياسية || محمد محسن الجوهري*
التقنع الديني هو سلوك استراتيجي يعمد فيه أفراد أو جماعات إلى تغيير مظهرهم، أسمائهم، وعقائدهم المعلنة، وتبني هوية دينية مغايرة لهويتهم الحقيقية، بهدف الاندماج في مجتمعات معينة، كسب ثقتها، وتحقيق مآرب وغايات خفية غالباً ما تكون سياسية، استخباراتية، أو توسعية.
وفي تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، برز هذا الأسلوب كأداة فعالة وظفتها القوى الاستعمارية لتفكيك المجتمعات من الداخل، أو لدراستها بدقة تمهيداً للسيطرة عليها. وتتضح هذه الظاهرة بجلاء من خلال نماذج كثيرة؛ مثل هاري سانت جون فيلبي (جون فيلبي / عبد الله فيلبي)، وهو مستعرب وضابط استخبارات بريطاني، أعلن إسلامه في ثلاثينيات القرن العشرين وتسمى باسم "عبد الله". مكنه هذا التقنع من التقرب بشكل وثيق من مراكز صنع القرار في شبه الجزيرة العربية، حيث عمل مستشاراً ولعب دوراً محورياً في صياغة الخارطة السياسية والاقتصادية للمنطقة، وتسهيل امتيازات النفط لصالح الشركات الغربية، وهو عراب سيطرة عبد العزيز آل سعود على الجزيرة العربية وتأسيسه لدولة تخدم المصالح الغربية باسم الإسلام والعروبة.
وقبل فيلبي كان مستر همفر، صاحب المذكرات الشهيرة، والذي نجح في تأسيس الوهابية على يد محمد بن عبد الوهاب، وقد لاقى هذا الفكر في حينه معارضة كبيرة من علماء عصره وفي مقدمتهم سليمان بن عبد الوهاب، شقيق مؤسس الوهابية، وله كتاب مشهور اسمه (الصواعق الإلهية) يفند فيه عقائد أخيه الزائفة وحقيقة انتمائها للإسلام، ويكشف أن الفكر الذي أوصلته بريطانيا إلى الأمة لم يكن سوى كذبة ابتدعها أعداء الأمة لتدميرها من الداخل.
وفي الفترة ذاتها، نجح المستشرق الإسباني دومينغو باديّا ي لبلبيش (علي باي العباسي) في زيارة مكة المكرمة وقام بأداء مناسك الحج، واستغل هذا القناع الديني والمكانة الاجتماعية التي حظي بها لإجراء مسوح جغرافية، ورسم خرائط دقيقة، وجمع معلومات استخباراتية بالغة الأهمية لحساب الحكومة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت تمهيداً للحملة الفرنسية على بلاد المسلمين.
وفي العصر الحديث، لم يعد التقنع مباشراً، فقد أثمرت نتائج التقنع السابقة في خلق طبقات وأجيال تربت على فكر مستر همفر وجون فيلبي الضال، وبات الفكر الوهابي هو المهيمن على بلاد الحرمين ومناطق أخرى في العالم الإسلامي بفضل ثروات الأمة والاستخبارات الغربية، ومن داخل هذه الأجيال نشأت حركات هدامة وشخصيات نجحت في الوصول إلى السلطة في كثير من الأقطار، ولا هم لها سوى قمع الأمة وتدجينها وتكفير الأحرار من أبنائها بغرض حماية الكيان الصهيوني والمصالح الغربية في الوطن العربي، ومثل هؤلاء لا تسمع لهم رِكزاً عندما يتعلق الأمر بالعدوان الصهيوني على فلسطين، ولكننا نجدهم يتهافتون لإحياء النعرات الطائفية والاقتتال الداخلي في البلاد الإسلامية، وهم المسؤولون عن كل حرب أهلية تعيشها الأمة وعن ضحاياها الأبرياء.
وما كان الله ليترك لهؤلاء الحبل على الغارب دون أن يبين لنا كيفية تفاديهم، وهنا تبرز لنا ثقافة الولاية التي أمرنا بها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، إضافة إلى أن ولاية الإمام علي عليه السلام، وحتى مجرد الحديث عن فضائله، يميز الخبيث من الطيب، وفي ذلك مصداق لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) فما إن نذكر علياً حتى يظهر المنافق على حقيقته، مهما ظاهَرَ قبل هذا بالإسلام ومارس الكثير من العبادات الشكلية.
وفي اليمن، رأينا حزب الإصلاح والجماعات السلفية كانت تتنافس فيما بينها على إقامة الشعائر الشكلية في المساجد وحتى الأماكن العامة، ولكنها هي الجماعات نفسها التي يراهن عليها الكيان في رفع العلم الصهيوني في صنعاء، كما توعد وزير الحرب الصهيوني كاتس، وما كان لنا أن ننخدع بهم منذ البداية لو أننا فعَّلنا ثقافة الولاية وتولينا علي بن أبي طالب، ففي ولايته تنفير لشياطين الإنس والجن، والأمر نفسه ينطبق على سائر الدول العربية، فالولاية كفيلة بتحصين الأمة من الداخل ومنع المنافقين والعملاء من الوصول إلى سدة الحكم.
ورأينا كيف دفع الخائن عفاش غالياً ثمن تبنيه للفكر الوهابي ولحزب الإصلاح؛ لاعتقاده بأن هؤلاء يمثلون الدين فعلياً، ولو أنه تولى الإمام علي عليه السلام لأدرك من البداية أن هؤلاء منافقون، ولتفادى نهايته المأساوية في 2011، وما كان لحزب الإصلاح أن يتمادى عليه بتلك الطريقة المهينة لو لم يقربهم منه ويمنحهم السلطة الدينية وحق الوصول إلى المنابر، وهو الأمر الذي دفع ثمنه غالياً، وسيدفع ثمنه كل حاكم لا يؤمن بولاية الإمام علي عليه السلام، كما حدث من قبل في العراق لصدام حسين يوم وثق في صدق حكام الخليج ودفع ثمن ذلك غالياً.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

