السياسية : تقرير|| فهد صلاح||

في مشهدٍ استثنائي غلبت فيه هيبة المناسبة على تفاصيل المكان، وامتدت فيه الحشود على مرمى البصر، عاشت محافظة إب الثلاثاء الماضي يوماً استثنائياً احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف، بعدما تحولت ساحاتها وشوارعها إلى فضاءات عامرة بالرايات والأنوار والأناشيد والمدائح المحمدية عكست المكانة المتجذرة لذكرى المولد النبوي في نفوس أبناء المحافظة النابضة بالمحبة والوفاء للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ومنذ ساعات الصباح الأولى لذلك اليوم المحمدي، بدأت قوافل ضيوف رسول الإنسانية وخاتم النبيين بالتوافد من مختلف المديريات إلى ساحات الاحتفال، في صورة رسمت ملامح يوم استثنائي امتزجت فيه المشاعر الإيمانية بالمظاهر الشعبية والتراثية.

واكتملت مشاهد الحضور في ساحة الرسول الأعظم بجامعة إب للرجال، والاستاد الرياضي للنساء، وساحتي المربعين الشمالي بمديرية يريم والغربي بمديرية العدين، وسط مشاركة رسمية ومجتمعية واسعة ومنقطعة النظير، تقدّمها وزير التربية والتعليم والبحث العلمي حسن الصعدي، ومحافظ إب عبدالواحد صلاح، وأمين عام المجلس المحلي أمين الورافي، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشورى، وأعضاء اللجنة الرئاسية المشرفة على فعاليات المولد، ووكلاء المحافظة، ومسؤول التعبئة العامة، ورئيس جامعة إب.

ولم يحل هطول الأمطار في ذلك اليوم دون استمرار تدفق المواطنين إلى الساحات، إذ بدت الجموع أكثر إصراراً على المشاركة وإحياء المناسبة، في مشهد عكس حضورها في الوعي الجمعي لأبناء المحافظة، الذين وجدوا في هذه الذكرى مساحة لاستحضار السيرة النبوية وما تحمله من قيم الهداية والرحمة والتآخي والتكافل.

وتحولت الساحات إلى مشهد متنوع، رفرفت فيه الرايات واللافتات، وتعالت أصوات المدائح والأناشيد والقصائد، وتداخلت الزوامل والأهازيج مع العروض الشعبية ورقصات البرع، لتقدم الاحتفالات صورة متكاملة عن خصوصية المجتمع الإبّي في التعبير عن فرحته بالمناسبات الدينية، وجمعه بين التعبير الإيماني والموروث الثقافي المتوارث جيلاً بعد جيل.

وفي مختلف أحياء مدينة إب ومديرياتها، سبقت مظاهر الاحتفاء يوم المناسبة، إذ تزينت الشوارع والمحال والمركبات بالأضواء واللافتات، واكتست أجزاء واسعة منها باللون الأخضر، فيما بدت الحركة في الأسواق والطرقات أكثر حيوية، في انعكاس واضح لمدى اتساع مظاهر الاحتفال وتحول المناسبة إلى حالة مجتمعية شاملة.

ولم يكن المشهد مقتصراً على ساحات الرجال، فقد شهدت الساحات المخصصة للنساء في مدينتي إب ويريم حضوراً واسعاً، عكس مشاركة المرأة في إحياء المناسبة وتجسيدها للمظاهر الاحتفالية المرتبطة بها، في أجواء اتسمت بالابتهاج واستحضار السيرة النبوية وما تزخر به من دروس وقيم.
وأكد محافظ إب عبدالواحد صلاح أن الحضور الجماهيري الكبير الذي شهدته المحافظة يعكس المكانة الراسخة لذكرى المولد النبوي الشريف في وجدان أبناء إب، ويجسد ارتباطهم بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما حملته رسالته من قيم الرحمة والعدل والتكافل والأخوة.
وقال: "إن اتساع المشاركة من مختلف مديريات المحافظة يؤكد أن الاحتفاء بالمولد النبوي يمثل مناسبة جامعة تتلاقى فيها مشاعر أبناء المجتمع، وتستحضر فيها الأجيال محطات من السيرة العطرة، بما يعزز الوعي بالقيم التي أرساها الرسول الكريم، ويجعل منها منهجاً حاضراً في واقع الناس وسلوكهم وتعاملاتهم".

وأضاف: "أن ما شهدته المحافظة من مظاهر احتفالية وتزيين للساحات والشوارع يعكس تفاعل المجتمع مع المناسبة"، مشيداً بالجهود التي بذلتها الجهات الرسمية والمجتمعية في الإعداد والتنظيم، وبالمشاركة الواسعة التي أسهمت في إخراج الفعاليات بالصورة التي تليق بمكانة هذه الذكرى.

وأشار المحافظ صلاح إلى أن هذه المناسبة تتيح فرصة للتذكير بمعاني التراحم والتكافل والتعاون، وتعزيز الروابط الاجتماعية، مؤكداً أهمية تحويل القيم المستلهمة من السيرة النبوية إلى ممارسات عملية تسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.

من جانبه، أشار مسؤول التعبئة العامة بالمحافظة عبد الفتاح غلاب إلى أن المشهد الجماهيري الذي شهدته ساحات المحافظة يعبر عن مستوى عالٍ من التفاعل الشعبي مع ذكرى المولد النبوي، ويؤكد حضور السيرة المحمدية في الوعي المجتمعي باعتبارها مدرسة متكاملة في الثبات والصبر والعطاء والتضحية.

وأوضح أن الحشود التي توافدت من مختلف المديريات إلى الساحات المحددة قدمت صورة موحدة اجتمعت فيها مختلف الشرائح والمناطق على هدف واحد، هو إحياء ذكرى مولد الرسول الأعظم واستحضار سيرته ومواقفه وقيمه، لافتاً إلى أن استمرار المشاركة رغم الظروف الجوية يؤكد عمق التفاعل مع المناسبة.

وذكر غلاب أن فعاليات المولد في المحافظة لم تقتصر على التجمعات المركزية، بل رافقتها أنشطة وبرامج متنوعة في المديريات والأحياء، أسهمت في تعزيز الأجواء الاحتفالية وترسيخ المضامين المرتبطة بالمناسبة، إلى جانب ما رافقها من أعمال تنظيمية ومجتمعية عكست مستوى التعاون والتنسيق بين مختلف الجهات.

واستمع المشاركون في ساحات الاحتفال إلى كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، التي تناولت جوانب من السيرة النبوية ومكانة الرسول الأعظم، وما تحمله رسالته من مبادئ وقيم، إلى جانب عدد من القضايا المرتبطة بواقع الأمة وتحدياتها الراهنة.

وبينت مشاهد الاحتفال أن المولد النبوي في إب لم يكن فعالية عابرة، بل مناسبة اتخذت طابعاً مجتمعياً واسعاً امتد من الساحات إلى الشوارع والأحياء، ومن الفعاليات الرسمية إلى المشاركة الشعبية، في صورة عكست تنوع مظاهر التعبير عن الفرح والاحتفاء.

وهكذا أسدلت إب الستار على يومٍ لم يكن عابرًا في ذاكرة المكان، بل كان موعدًا تجلّت فيه عظمة المناسبة في عظمة الحضور، واجتمعت فيه القلوب قبل الصفوف، وتلاقت فيه المشاعر قبل المسارات فمن ساحاتها التي ازدانت بالرايات والأنوار، إلى شوارعها التي لبست أبهى حلل الفرح، بدت المحافظة وكأنها قلبٌ واحد ينبض بالمحبة المحمدية، ولسانٌ واحد يردد عاطر الذكر والمديح.

وعلى امتداد المشهد، امتزجت رهبة المناسبة ببهجة الاحتفاء، واجتمعت أصالة الموروث مع وهج الحاضر، لتصوغ الحشود لوحةً بشريةً مهيبة، كان المطر فيها زائرًا لم يطفئ جذوة الفرح، بل زاد المشهد بهاءً، وكأن قطراته تغسل وجه المدينة لتشرق في سمائها ذكرى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وبينما خفتت أصوات المنشدين وانفضت الجموع من الساحات، بقي صدى المناسبة حاضرًا في الوجدان؛ فالمولد في إب لم يكن احتفالًا يُرى فحسب، بل معنى يُستشعر، وقيمة تُستحضر، وسيرة تُستعاد لتظل نورًا يهدي الخطى في زمنٍ تتزاحم فيه التحديات.

وفي ذلك اليوم المشهود، قالت إب كلمتها بالفعل قبل القول، واجتمع فيها الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والقادم من أقصى المديريات مع ابن المدينة، على محبةٍ لا تفرق، وذكرى لا تُنسى، وقيمٍ لا تبلى. لتغادر الساحات وقد حمل كل مشارك شيئًا من وهجها، فيما بقيت في ذاكرة المحافظة صورة يومٍ اجتمع فيه الفرح والوفاء، وتعانق فيه الماضي والحاضر، وظل اسم النبي الكريم حاضرًا في القلوب، كما يبقى النور في العين، والعطر في الأثر.
سبا