"إسرائيل" تحوّل الجثمامين إلى سلاح للعقاب الجماعي
السياسية:
بالنسبة للحاجة أم ناصر أبو حميد، 77 عاماً، باتت عمليات الاعتقالات والهدم والاستشهاد جزءاً من روتين العذاب اليومية، لكن ما يكسرها فعلاً هو هذا القبر الفارغ.
استشهد أبنها ناصر في العام 2022، بعد أن نخر مرض السرطان جسده داخل سجن العدو بسبب الإهمال الطبي، وبينما دُفن شقيقه عبد المنعم، بقي جثمان ناصر رهينة لدى العدو الإسرائيلي بلا مكان تقصده.
وما يزيد وجع أم ناصر أنها لا تستطيع لقاء أبنائها المحررين نصر وشريف ومحمد الذين أفرج عنهم في صفقة العام الماضي، ولا يُسمح لها بزيارة ابنها إسلام الأسير المؤبد. هكذا تجتمع عليها كل أشكال الحرمان.
تقول الحاجة لطيفة لصحيفة "العربي الجديد": "وجهه ما بيفارقني". وتستحضر آخر لقاء قبل رحيله بثمانية أيام في المستشفى، وهو مكبل للسرير ويحتضر.
كان حلم ناصر أن ينام إلى جوار أخيه الشهيد في البيرة. وهذا هو حلم والدته الآن: "بدي قبر أزوره، أحكي معه عن وجعي. هو أكيد حاسس فيني".
في اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء، تبقى آلاف العائلات الفلسطينية عالقة في ما تصفه الحملة الوطنية بـ "الحداد المعلّق" - حالة فقد لا تبدأ ولا تنتهي - لأن العدو الإسرائيلي قرر أن يستمر العقاب حتى بعد الموت.
ذلك حال مئات العائلات الفلسطينية التي تحيي اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين، الذي يحل اليوم الخميس 27 أغسطس.
وكانت الحاجة لطيفة مع المشاركين في فعاليات إحياء هذا اليوم في ساحة مركز البيرة الثقافي، وتحمل صورة ابنها ناصر وتتحدث عن وجعها.
ولا تنفرد عائلة أبو حميد بهذه المعاناة، فمنذ استشهاد نجله محمد، البالغ 17 عاماً، واحتجاز جثمانه قبل نحو شهرين، لم يعد النوم يعرف طريقه إلى عيني سامر مليطات، من بلدة بيت فوريك شرقي نابلس.
يقول مليطات، إن "لا أحد يعلم مقدار الألم الذي نعيشه. محمد ابني البكر وفلذة كبدي. أعدمه جنود العدو مع شاب آخر من بلدنا، بادعاء أنه نفذ عملية طعن أدت إلى إصابة أحد المستوطنين بجروح. متسائلا "أين العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان من حرمانه من أن يوارى في الثرى، وأن يكون له قبر نزوره؟".
799 اسم.. و799 قصة انتظار
كشفت ورقة صادرة عن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى الفلسطينية، أن عدد الشهداء المعلومة هوياتهم والمحتجزة جثامينهم لدى العدو يبلغ 799 شهيداً.
كشفت ورقة صادرة عن الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى الفلسطينية، أن عدد الشهداء المعلومة هوياتهم والمحتجزة جثامينهم لدى العدو يبلغ 799 شهيداً.
كان آخرهم الشهيد فتحي خازم من جنين، الذي أُعدم داخل منزله ثم احتُجز جثمانه.
وتتوزع الأرقام على: 256 شهيداً في مقابر الأرقام، و99 من الأسرى، و81 طفلاً دون 18 عاماً، و10 شهيدات..
أما بحسب ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن العدد الإجمالي يقارب 1700 جثمان. وفي قطاع غزة وحده، وثقت الحملة تسليم 930 جثماناً، وسط شكوك وشبهات حول "انتهاك حرمة الموتى" تستوجب تحقيقاً دولياً.
لكن الحملة تؤكد أن "هذه الأرقام غير نهائية"، فمع استمرار الإبادة في غزة ووجود آلاف المفقودين وصعوبة الوصول للضحايا، فإن العدد مرشح للارتفاع.
ويحرم احتجاز جثامين الشهداء عوائلهم من طقس الوداع، ومن الحق في إقامة مراسم الدفن وفق المعتقدات، ويبقي سؤال المصير حاضراً بصورة يومية.
من "العقاب" إلى "الإذلال" بعد التسليم
لا تقف معاناة العائلات عند الاحتجاز. فعندما تقرر سلطات العدو التسليم، تفرض شروطاً مهينة: الدفن ليلاً، تقييد أعداد المشيعين، حضور أمني مكثف، اشتراط كفالات مالية، أو نقل الجثمان إلى مكان بعيد عن العائلة.
وبذلك، تتحول لحظة الوداع التي يفترض أن تكون إنسانية إلى "مساحة إضافية لإعادة إنتاج السيطرة والقمع"، حسب وصف الحملة.
والأدهى، أن العائلات التي استلمت جثامين من غزة تتحدث عن حالات تجميد وتشويه، ما يجعل لحظة الاستلام "امتداداً جديداً للصدمة والألم" بدل أن تكون نهاية للانتظار.
سياسة ممنهجة
وتؤكد الحملة أن احتجاز الجثامين لم يبدأ اليوم فجذوره تعود لـ 1967 عندما دفن آلاف الفلسطينيين في ما عرف بـ"مقابر الأرقام"، وهي مواقع سرية لا تتوافر للعائلات معلومات كافية عنها. وفي عام 2004، صدر توجيه قيّد هذه الممارسة مؤقتاً، إلا أنها عادت بصورة أكثر اتساعاً منذ عام 2015، ثم شُرّع عام 2018 عبر تعديل ما سمي قانون "مكافحة الإرهاب"، وأجازته المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2019 لأغراض "المساومة . "
وهكذا، انتقلت الممارسة من إجراء استثنائي إلى "سياسة تتكامل فيها الأوامر العسكرية مع التشريعات".
معركة الكرامة
وتختم الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى ورقتها بالتأكيد أن "استرداد جثامين الشهداء ليس مجرد مطلب لعائلات تنتظر أبناءها، بل هو معركة من أجل الحقيقة والكرامة والعدالة".
فالعدو الإسرائيلي لا يكتفي بالتحكم في حياة الفلسطيني، بل يسعى إلى إبقاء السيطرة قائمة على جسده حتى بعد الموت.
وفي هذا اليوم، تطالب الحملة المجتمع الدولي بتحويل الملف من "قضية مؤجلة إلى قضية عاجلة": الكشف الفوري عن مصير المفقودين، تحديد أماكن الجثامين، استردادها، وفتح تحقيقات مستقلة في ظروف الوفاة والاحتجاز.
فـ 1700 جثمان، ليست رقماً. فخلف كل جثمان عائلة تنتظر، واسم ينتظر أن يُستعاد، وحق إنساني ما زال معلقاً.
الجثامين ورقة تفاوض وأداة للابتزاز
وأكدت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، بمناسبة اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب، أن قوات العدو الإسرائيلي لا تزال تواصل، سياسة احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، متذرعةً بحجج سياسية، وتستخدم الجثامين كورقة تفاوضية وأداة للابتزاز السياسي، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، وامتهان للكرامة الإنسانية للشهداء وذويهم.
وتختلف الأرقام حسب الجهة التي توثقها، فقد ذكرت المؤسسة أن المعلومات المتوفرة لديها تشير إلى أن قوات العدو الإسرائيلي لا تزال تحتجز نحو 2277 جثمانًا داخل ما يُعرف بـ”مقابر الأرقام” والثلاجات، من بينهم ما لا يقل عن 777 شهيدًا موثقًا، بينهم 98 شهيدًا من الأسرى الذين استشهدوا خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، إلى جانب ما يزيد على 1,500 جثمان تم انتشالها من المناطق القريبة من السياج الفاصل مع قطاع غزة ونقلها من قبل قوات العدو، وفق صحيفة "القدس العربي".
وأشارت إلى أن الاحتلال عمل على شرعنة قوانين تسمح باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، بتوافق بين المستويات العسكرية والقضائية لدى الاحتلال، لافتة إلى أن ذلك يؤكد أن سياسة احتجاز الجثامين عند العدو تمثل “سياسة ممنهجة، يستخدمها الاحتلال كورقة تفاوضية وأداة للابتزاز السياسي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها قضية إنسانية وحقوقية".
من جهته، طالب نادي الأسير بتحرير جثامين الأسرى الشهداء، وأكد في بيان أصدره أنه بعد عقود من الاحتلال، لا تزال جثامين الشهداء محتجزة، إلى جانب آلاف المفقودين، “في واحدة من أكثر صور الجريمة قسوة”.
وقال النادي إن الجثمان الذي يفترض أن يكون حقًا مصانًا لعائلته، “يتحول لدى الاحتلال إلى أداة للعقاب والإذلال والمساومة، فيما تبقى العائلات عالقة في انتظار لا ينتهي”.
وأكد أن احتجاز جثمان الشهيد لا يعني فقط حرمان عائلته من جسده، “بل يعني إبقاء السيطرة على الضحية وعائلته حتى بعد الموت”، لافتا إلى أن هناك أسئلة خطيرة حول ظروف احتجاز هذه الجثامين والتعامل معها، وما إذا تعرضت لانتهاكات تمس حرمة الموتى وكرامتهم، بما في ذلك ما أُثير حول احتمال سرقة الأعضاء، مشددا على أن هذا الأمر يستوجب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا، وضمان الوصول إلى الأدلة والبيانات الطبية والجنائية ذات الصلة، وعدم إغلاق الملف قبل كشف الحقيقة كاملة.
تعدد أسباب احتجاز الجثامين
وأكد منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين، حسين شجاعية، أن هذه السياسة مورست على الفلسطينيين منذ الانتداب البريطاني، ويستند العدو فيها إلى قانون الطوارئ البريطاني، لكن السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد حرب الإبادة، شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الشهداء المحتجزة جثامينهم، نتيجة الحرب، وأيضاً نتيجة تغير سياسة العدو في أسباب احتجاز الجثامين.
فقبل الحرب، كما يؤكد شجاعية، كان الاحتجاز لأسباب محددة، خاصة للشهداء الذين ينفذون عمليات ضد العدو، ولكن بعد حرب الإبادة، أصبح العدو يحتجز جثامين كل من يستطيع الوصول إليهم لحظة استشهادهم.
وهنا، طالبت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية الدولية والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهم، والعمل الفوري على إنشاء آلية دولية مستقلة وشفافة لحصر أعداد المفقودين، وتحديد مواقع الرفات، وانتشالها، وإجراء الفحوص اللازمة للتعرف إلى هويات أصحابها، وتوثيق ظروف الوفاة والاحتجاز، والكشف عن أماكن الجثامين المحتجزة، وضمان إعادتها إلى عائلاتها دون شروط أو ابتزاز أو استخدام سياسي.
وشددت على أن الجثمان الفلسطيني ليس ورقة تفاوض، والرفات ليست غنيمة حرب، وحق العائلات في معرفة مصير أبنائها ودفنهم بكرامة ليس منحة سياسية ولا مطلباً قابلاً للمساومة، بل حق إنساني أصيل تكفله القواعد الدولية ولا يسقط بالتقادم.
كما شددت على أن إغلاق هذا الملف لن يتحقق إلا باسترداد كل جثمان، وكشف مصير كل مفقود، وانتشال كل رفات، وتمكين العائلات الفلسطينية من وداع أبنائها ومواراتهم الثرى بكرامة، ومحاسبة الكيان الصهيوني وكل من ارتكب هذه الانتهاكات.
سبأ

