العسل اليمني... من مورد طبيعي إلى ركيزة واعدة للصناعة الدوائية
السياسية - تقرير// مهدي البحري*
في ظل التوجه نحو توطين الصناعات الدوائية وتعزيز الاستفادة من الموارد الطبيعية، يتجه الاهتمام في اليمن إلى العسل ومنتجات النحل بوصفها أحد الموارد الوطنية القادرة على الإسهام في تطوير مستحضرات دوائية ذات قيمة مضافة، مستندة إلى نتائج أبحاث علمية وتجارب محلية، وإلى ما يتمتع به العسل اليمني من خصائص بيولوجية وكيميائية مميزة.
وقد شكّل انعقاد المؤتمر العلمي الأول للعسل الدوائي مؤخراً في صنعاء، محطة مهمة لإطلاق نقاش علمي واقتصادي حول آفاق تحويل هذا المنتج من مادة غذائية عالية القيمة إلى عنصر يدخل في الصناعات الدوائية الحديثة، بما يعزز البحث العلمي، ويفتح فرصاً استثمارية جديدة، ويدعم توجهات تقليل الاعتماد على الاستيراد.
يُعرف العسل اليمني، ولا سيما عسل السدر والسمر والصال والعسل الجبلي، بجودته العالية وسمعته الواسعة في الأسواق المحلية والدولية، وهي سمعة ارتبطت بتنوع البيئة الطبيعية في اليمن، وما تتميز به من غطاء نباتي متباين يمتد من السهول إلى المرتفعات والوديان، الأمر الذي ينعكس على التركيب الكيميائي للعسل وخصائصه الحيوية.
ولا تقتصر أهمية العسل اليمني على قيمته الغذائية، بل تمتد إلى ما أظهرته دراسات وتجارب مخبرية من احتوائه على مركبات نشطة ذات خصائص مضادة للبكتيريا والالتهابات والأكسدة، فضلاً عن مساهمتها في دعم التئام الجروح وتحفيز تجدد الأنسجة.
كما تشير نتائج عدد من الأبحاث إلى إمكانية توظيف هذه الخصائص في تطوير مستحضرات دوائية ومنتجات علاجية، شريطة استكمال الدراسات السريرية واعتماد معايير الجودة والفعالية المطلوبة.
ومن العوامل التي تعزز جودة العسل اليمني اعتماد كثير من المناحل التقليدية على البناء الطبيعي لأقراص الشمع، بما يساعد على الاحتفاظ بالمكونات الحيوية للعسل ومنتجات الخلية الأخرى، مثل حبوب اللقاح وغذاء الملكات والبروبوليس، وهي مكونات تحظى باهتمام متزايد في مجالات الصناعات الدوائية والمكملات الغذائية ومستحضرات العناية الصحية.
وتشير دراسات متخصصة إلى أن بعض أنواع العسل اليمني تتميز بارتفاع محتواها من المركبات الفينولية والإنزيمات والعناصر المعدنية مقارنة ببعض الأنواع التجارية، وهو ما يعزز الاهتمام العلمي بإجراء مزيد من الأبحاث لتوصيف هذه الخصائص وتقييم إمكانات الاستفادة منها في التطبيقات العلاجية وفقاً للمعايير العلمية المعتمدة.
ويُعد العلاج بمنتجات النحل أحد المجالات البحثية التي تشهد توسعاً ملحوظاً، مدفوعاً بنتائج دراسات تناولت الخصائص الحيوية للعسل ومشتقات خلية النحل وإمكانات توظيفها في التطبيقات الطبية.
وتشير الأبحاث إلى أن العسل يمتلك مجموعة من الخصائص البيولوجية التي تجعله مرشحاً للدخول في عدد من الصناعات الدوائية، من أبرزها نشاطه المضاد لبعض أنواع البكتيريا، وقدرته على توفير بيئة تساعد على التئام الجروح، إلى جانب خصائصه المضادة للأكسدة والالتهابات، حيث أسهمت هذه الخصائص في توسيع مجالات البحث حول استخدامه في تطوير مستحضرات علاجية ومكملات غذائية ومنتجات للعناية الصحية، مع التأكيد على أن اعتماد أي تطبيق علاجي يتطلب تقييماً علمياً وسريرياً وفق المعايير الطبية المعتمدة.
ولا يقتصر الاهتمام العلمي على العسل وحده، بل يشمل أيضاً منتجات خلية النحل الأخرى، مثل البروبوليس، وغذاء الملكات، وحبوب اللقاح، وشمع النحل، لما تحتويه من مركبات حيوية تدخل في تصنيع مستحضرات دوائية وتجميلية ومكملات غذائية في عدد من الأسواق العالمية.
ويعزز ذلك من أهمية النظر إلى قطاع تربية النحل بوصفه منظومة إنتاج متكاملة يمكن أن توفر مواد أولية لصناعات متعددة، بدلاً من الاقتصار على تسويق العسل بوصفه منتجاً غذائياً فقط.
ويمثل الانتقال من بيع العسل الخام إلى تصنيع منتجات دوائية قائمة عليه تحولاً في مفهوم القيمة الاقتصادية للمنتج؛ فالقيمة المضافة لا تتحقق من تصدير المادة الخام، وإنما من تطوير منتجات نهائية عالية الجودة، مدعومة بالبحث العلمي، ومطابقة للمواصفات الدوائية، وقادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية.
وجاء انعقاد المؤتمر العلمي الأول للعسل الدوائي في العاصمة صنعاء ليعكس انتقال الاهتمام بالعسل اليمني من كونه منتجاً غذائياً ذا قيمة عالية إلى مورد طبيعي يمكن أن يسهم في بناء صناعة دوائية وطنية قائمة على البحث العلمي والشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعين العام والخاص.
وأكد المشاركون أن نجاح هذا التحول يتطلب منظومة متكاملة تبدأ من حماية المراعي النحلية وتحسين جودة الإنتاج، مروراً بالتوصيف العلمي للمكونات الفعالة، وانتهاءً بإنتاج مستحضرات دوائية تخضع لمعايير الجودة والرقابة الدوائية المعتمدة. كما شددوا على أهمية تكامل الأدوار بين الجامعات، ومراكز البحوث، والجهات التنظيمية، والقطاع الصناعي، لضمان انتقال نتائج الأبحاث من المختبرات إلى خطوط الإنتاج.
ورأى خبراء ومختصون أن المؤتمر مثل منصة وطنية لتبادل الخبرات وربط البحث العلمي بالاستثمار، ويفتح المجال أمام الاستفادة من الموارد الطبيعية المحلية في تطوير منتجات دوائية ومستلزمات طبية تستند إلى أسس علمية، بما يعزز فرص تحقيق قدر من الاكتفاء في بعض الصناعات الدوائية، ويرفع القدرة التنافسية للمنتجات اليمنية في الأسواق الإقليمية والدولية.
كما دعا المشاركون إلى التعامل مع العسل الدوائي بوصفه مشروعاً اقتصادياً وعلمياً طويل الأمد، لا يقتصر على إنتاج العسل وتسويقه، وإنما يشمل تطوير سلاسل القيمة المرتبطة به، بدءاً من تربية النحل وتحسين السلالات، مروراً بعمليات الفحص والتصنيع، ووصولاً إلى بناء علامات تجارية وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق المتخصصة.
ويرى مختصون أن نجاح أي توجه نحو توظيف العسل في الصناعات الدوائية لا يعتمد على جودة المنتج الطبيعي وحدها، بل يبدأ من البحث العلمي القادر على توصيف مكوناته الفعالة، وإثبات مأمونيته وفعاليته، ثم تحويل نتائج الدراسات إلى مستحضرات دوائية تخضع لمعايير التصنيع والرقابة الدوائية.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ الصيدلة الصناعية المساعد بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة صنعاء، الدكتور عبدالملك أبو دنيا، أن العسل اليمني لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه منتجاً غذائياً مرتفع القيمة فحسب، بل بوصفه مادة أولية يمكن أن تدخل في تطوير منتجات دوائية متعددة، تشمل مستحضرات علاج الجروح والحروق، والضمادات الطبية، ومنتجات العناية بالبشرة، والمكملات الغذائية، إلى جانب تطبيقات علاجية أخرى ترتبط بمنتجات خلية النحل المختلفة.
ويشير إلى أن القيمة الاقتصادية الحقيقية للعسل لا تتحقق من تسويق المادة الخام، وإنما من تصنيع منتجات نهائية تحمل قيمة علمية وصناعية أعلى، وهو التوجه الذي مكّن عدداً من الدول من بناء صناعات متخصصة تعتمد على المنتجات الطبيعية، وتحويلها إلى منتجات دوائية وتجارية ذات قدرة تنافسية في الأسواق العالمية.
ولم يقتصر هذا التوجه على الجانب النظري، إذ شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ تجارب بحثية محلية بالتعاون بين باحثين ومؤسسات زراعية، بهدف تقييم إمكانات توظيف العسل اليمني في التطبيقات الدوائية، ومن أبرز هذه المبادرات تجربة نُفذت بالشراكة مع الاتحاد التعاوني الزراعي في محمية بني قيس بمحافظة حجة، وأثمرت عن تطوير أول منتج دوائي يمني يحمل اسم «ثريبوفيتش»، بعد مروره بمراحل من التقييم والتجارب السريرية وفق ما أُعلن خلال المؤتمر.
ويمثل هذا النموذج، في حال استكمال متطلبات الاعتماد والتوسع في الإنتاج، مؤشراً على إمكانية انتقال البحث العلمي من مرحلة الدراسات المخبرية إلى تطوير منتجات قابلة للتصنيع، وهو ما يفتح الباب أمام استثمار الموارد الطبيعية المحلية في بناء صناعة دوائية ذات قيمة مضافة.
ويؤكد باحثون أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب استمرار العمل البحثي، وتوسيع نطاق الدراسات السريرية، وإنشاء مختبرات متخصصة لتحليل منتجات النحل، فضلاً عن تعزيز التعاون بين الجامعات، ومراكز الأبحاث، وشركات الأدوية، بما يضمن تحويل الابتكار العلمي إلى منتجات تستوفي متطلبات الجودة والاعتماد الدوائي.
ويرى مختصون أن امتلاك اليمن لتنوع نباتي واسع وخبرة متراكمة في تربية النحل يمثلان قاعدة مهمة لهذا التوجه، غير أن تحويل هذه المزايا إلى صناعة مستدامة يظل مرهوناً بالاستثمار في البحث والتطوير، وتأهيل الكوادر، وتوفير البنية التحتية اللازمة للتصنيع والاختبارات الدوائية، بما يضمن إنتاج مستحضرات قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.
لا تقاس القيمة الاقتصادية للعسل بسعر الكيلوغرام في الأسواق فحسب، وإنما بما يمكن أن ينتجه من صناعات ذات قيمة مضافة، فالفارق بين تصدير العسل كمادة خام، وبين تحويله إلى مستحضرات دوائية أو مكملات غذائية أو منتجات للعناية الصحية، لا يتمثل في اختلاف المنتج فقط، بل في مضاعفة قيمته الاقتصادية، وخلق سلاسل إنتاج جديدة تستوعب البحث العلمي والتصنيع والخدمات اللوجستية والتسويق.
وفي هذا السياق، طرحت الهيئة العامة للاستثمار، خلال المؤتمر العلمي الأول للعسل الدوائي، رؤية لتطوير هذا القطاع بوصفه أحد المجالات الاستثمارية الواعدة، انطلاقاً من السمعة التي يتمتع بها العسل اليمني في الأسواق، وما يمتلكه من خصائص تؤهله للدخول في صناعات دوائية وغذائية وتجميلية متخصصة.
وأشارت ورقة العمل المقدمة من الهيئة إلى أن الانتقال من إنتاج العسل للاستهلاك المباشر إلى بناء صناعة متكاملة للعسل الدوائي يتطلب استثمارات موجهة نحو التصنيع الدوائي، وإنشاء خطوط إنتاج متخصصة، وتطوير المختبرات، وتأهيل الكوادر الفنية، بما يسمح بإنتاج مستحضرات تستوفي متطلبات الجودة والاعتماد، وقادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.
ولا تقتصر الآثار الاقتصادية لهذا التحول على القطاع الدوائي وحده، بل تمتد إلى تنشيط قطاعات أخرى مرتبطة بسلسلة القيمة، تشمل تربية النحل، وإنتاج الملكات، وحماية المراعي النحلية، وتصنيع العبوات والتغليف، والنقل، والتسويق، والخدمات المخبرية، وهو ما يفتح المجال أمام خلق فرص عمل جديدة وتعزيز مساهمة هذا القطاع في الاقتصاد الوطني.
ويرى مختصون أن نجاح هذه الرؤية يتطلب الانتقال من تصدير المواد الخام إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، بحيث تصبح نتائج الأبحاث العلمية جزءاً من العملية الإنتاجية، وتتحول الموارد الطبيعية إلى منتجات تحمل قيمة صناعية وتقنية أعلى، ويُعد هذا التحول أحد المرتكزات الرئيسة لتحقيق تنمية مستدامة، وتعزيز قدرة الصناعات الوطنية على المنافسة.
وفي ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة استيراد بعض المستحضرات الدوائية، يكتسب تطوير الصناعات القائمة على الموارد المحلية أهمية متزايدة، ليس بوصفه بديلاً كاملاً عن الصناعات الدوائية التقليدية، وإنما باعتباره مساراً مكملاً يمكن أن يسهم في تنويع مصادر الإنتاج، وتوسيع قاعدة التصنيع، وتعزيز الأمن الدوائي من خلال الاستفادة من الميزات النسبية التي تمتلكها البلاد.
فيما أكدت الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، في ورقة علمية قُدمت خلال المؤتمر، أن التوسع في استخدام العسل في التطبيقات الصحية والدوائية يستدعي تطوير المواصفات القياسية الوطنية بما يواكب التطورات العلمية، وإعداد أدلة فنية تحدد المتطلبات الخاصة بالعسل المخصص لهذه الاستخدامات، تمهيداً لإقرار مواصفة قياسية وطنية للعسل الدوائي عند اكتمال الأدلة العلمية اللازمة.
وأوضحت الورقة أن اختلاف الغرض من استخدام العسل يفرض اختلافاً في الاشتراطات الفنية، فالعسل المخصص للاستهلاك الغذائي يخضع لمعايير تختلف عن تلك المطلوبة للعسل الذي سيدخل في تصنيع مستحضرات دوائية، إذ يتطلب الأخير مستويات أعلى من التحقق والرقابة لضمان ثبات مكوناته، وخلوه من الملوثات، وإمكانية تتبع مصدره، وإثبات خصائصه الحيوية وفق أسس علمية موثقة.
ولهذا، تشمل متطلبات الجودة إجراء تحاليل فيزيائية وكيميائية وميكروبيولوجية، وفحص متبقيات المبيدات والعقاقير البيطرية، والتحقق من الأصل النباتي للعسل، إلى جانب تطبيق أنظمة التتبع وضمان سلامة المنتج في مختلف مراحل الإنتاج والتصنيع، كما تكتسب المختبرات المرجعية دوراً محورياً في توحيد أساليب الفحص وإصدار نتائج يمكن الاعتماد عليها في تسجيل المنتجات وتسويقها.
ويؤكد مختصون أن الالتزام بممارسات التصنيع الجيد (GMP) يمثل أحد الشروط الأساسية لإنتاج مستحضرات دوائية مشتقة من العسل، إذ يضمن توحيد إجراءات الإنتاج، والرقابة على الجودة، والحفاظ على ثبات المنتج من دفعة إنتاج إلى أخرى، وهو ما يشكل أساساً لاكتساب ثقة الجهات التنظيمية والمستهلكين على حد سواء.
ويرى المشاركون في المؤتمر أن بناء صناعة وطنية للعسل الدوائي لا يقتصر على توفير المادة الخام، بل يتطلب تأسيس منظومة متكاملة للجودة تبدأ من المناحل، مروراً بعمليات الجمع والحفظ والنقل، وانتهاءً بالتصنيع والتعبئة والاختبارات المخبرية.
يمتلك العسل اليمني مقومات علمية وطبيعية تؤهله ليكون أكثر من مجرد منتج غذائي عالي القيمة، غير أن تحويل هذه الميزة إلى صناعة دوائية وطنية يتطلب الانتقال من مرحلة الاعتماد على جودة المورد الطبيعي إلى بناء منظومة متكاملة تقوم على البحث العلمي، والتجارب السريرية، والمواصفات القياسية، والتصنيع الدوائي، والاستثمار في الابتكار.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة المؤسسات البحثية والرقابية والإنتاجية على العمل ضمن رؤية مشتركة تحول نتائج الدراسات إلى تطبيقات صناعية قابلة للتوسع، وتؤسس لقطاع يعتمد على المعرفة والابتكار بقدر اعتماده على الموارد الطبيعية.
سبأ

