من أحبَّ الحياة عاش ذليلاً… من ثورة الإمام زيد إلى معركة السيادة اليمنية
عدنان عبدالله الجنيد*
ليست كل الشعوب التي تعيش هي شعوبٌ حيّة، فهناك فرقٌ بين حياة الجسد وحياة المبدأ، وبين البقاء تحت سقف الخوف وبين الوقوف في ميدان العزة. ولهذا بقيت كلمات الإمام زيد بن علي عليه السلام خالدة في وجدان الأحرار: من أحب الحياة عاش ذليلاً لأنها تختصر فلسفة الصراع بين من اختاروا طريق الكرامة، ومن رضوا لأنفسهم مقام التبعية والانكسار.
فالأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات أو قوة مادية فقط، وإنما بما تملكه من إرادة التحرر، وقدرتها على رفض الاستعباد عندما تتحول الضغوط إلى حصار، والتهديدات إلى محاولة لكسر روح المقاومة.
ومن هنا تأتي ذكرى الإمام زيد بن علي عليه السلام في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الدروس بين الماضي والحاضر؛ فكما وقف الإمام زيد في وجه مشروع أراد إخضاع الأمة لمنطق الطغيان، يقف اليمن اليوم أمام محاولات فرض الإرادة الخارجية عبر الحصار والعدوان والضغط السياسي والاقتصادي.
إن معركة كسر الحصار ليست مجرد ملف إنساني أو مطلب اقتصادي، بل أصبحت عنواناً لمعركة أوسع: معركة السيادة والقرار والاستقلال، ومعركة إثبات أن الشعوب لا تُركع بالجوع ولا تُهزم بالعقوبات.
أولاً: الإمام زيد… مدرسة رفض الذل وكسر جدار الخوف:
لم تكن ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام حركة بحث عن سلطة أو صراعاً على حكم، بل كانت تعبيراً عن موقف مبدئي يرى أن أخطر ما يصيب الأمة ليس قوة الظالم، وإنما استسلام المظلوم.
لقد أدرك الإمام زيد أن الطغيان يبدأ عندما يعتاد الناس الصمت، وأن أول انتصار للباطل هو أن يقنع الشعوب بأن المقاومة مستحيلة.
ولهذا رفع شعار الوعي قبل المواجهة، والبصيرة قبل الحركة، لأن الأمة التي تفقد وعيها تصبح قابلة للاستعباد، بينما الأمة التي تمتلك بصيرة الحق لا تستطيع قوى الأرض أن تكسر إرادتها.
لقد جسّد الإمام زيد المعادلة الكبرى:
أن الإنسان قد يخسر حياته وهو يقاوم، لكنه ينتصر بكرامته، بينما من يختار السلامة تحت راية الذل يعيش حياة بلا قيمة.
وهذه هي الرسالة التي بقيت حاضرة عبر التاريخ: أن دماء الأحرار لا تنتهي عند لحظة الاستشهاد، بل تتحول إلى مشروع وعي وثقافة مقاومة.
ثانياً: من كربلاء وزيد إلى اليمن… وحدة مدرسة الكرامة:
حين نقرأ التاريخ نجد أن معارك التحرر الكبرى لم تبدأ من ميزان القوة المادية، بل من قوة الإيمان بالقضية.
فالإمام زيد واجه دولة تمتلك الجيش والسلطة والإمكانات، لكنه امتلك ما هو أعظم: وضوح الهدف ورفض الخضوع.
وهذه القاعدة التاريخية تتكرر في كل زمان؛ فالقوى الكبرى قد تمتلك الطائرات والأساطيل والاقتصاد، لكنها تعجز أمام شعب يمتلك إرادة الصمود.
ومن هنا فإن الحصار المفروض على اليمن لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل محاولة لكسر إرادة شعب اختار أن يكون صاحب قرار، ولذلك تحولت قضية رفع الحصار إلى اختبار حقيقي لمعنى السيادة.
فالشعوب التي تدافع عن حقها في الحياة الحرة لا ترى الحصار نهاية الطريق، بل تعتبره مرحلة من مراحل الصراع التي تزيدها تمسكاً بخيارها.
ثالثاً: كسر الحصار… معركة سيادة لا معركة احتياج:
يحاول البعض اختزال قضية الحصار في الجانب الاقتصادي أو الإنساني فقط، بينما الحقيقة أن جوهر المعركة أعمق من ذلك بكثير.
فالحصار في التجارب التاريخية كان دائماً أداة لإخضاع الشعوب، ودفعها للتراجع عن خياراتها السياسية ومواقفها الوطنية.
ولهذا فإن كسر الحصار يمثل استعادة لحق طبيعي:
حق الشعب في الحركة والتنقل.
حقه في إدارة موارده.
حقه في امتلاك قراره الوطني.
حقه في رفض الإملاءات الخارجية.
إن المعركة هنا ليست حول منفذ جوي أو ميناء فقط، بل حول سؤال أكبر:
هل تملك الشعوب حق اختيار طريقها؟ أم أن القوى الكبرى تريد أن تبقى المنطقة رهينة لإرادتها؟
ومن هذا المنطلق يصبح شعار الإمام زيد: من أحب الحياة عاش ذليلاً عنواناً لفلسفة كاملة؛ لأن الحرية لها ثمن، والكرامة لها ضريبة، والتاريخ لا يحفظ أسماء الذين اختاروا السلامة، بل أسماء الذين وقفوا عندما كان الوقوف مكلفاً.
رابعاً: اليمن وإعادة تشكيل معادلة الردع:
لم تعد المعادلة في المنطقة قائمة على تفوق طرف واحد، فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الشعوب التي تمتلك الإرادة تستطيع أن تفرض حضورها في الحسابات الإقليمية والدولية.
فاليمن، رغم حجم التحديات، استطاع أن يحول موقعه الجغرافي إلى عنصر تأثير، وأن يجعل من قضاياه الوطنية جزءاً من المشهد الإقليمي الأوسع.
إن معركة كسر الحصار لا تُقرأ فقط من زاوية الداخل اليمني، بل ضمن تحول أكبر في مفهوم القوة؛ حيث لم تعد القوة مرتبطة فقط بالترسانة العسكرية، وإنما بالقدرة على الصمود، وتحمل الضغوط، وتحويل المعاناة إلى طاقة سياسية وشعبية.
وهنا يظهر الدرس الزيدي مجدداً:
القوة الحقيقية ليست في عدد السيوف، بل في ثبات أصحابها عندما تشتد المعركة.
خامساً: وحدة الساحات… عندما تتحول المبادئ إلى قوة استراتيجية:
من أهم الدروس التي تقدمها مدرسة الإمام زيد أن قضايا الأمة لا يمكن فصلها عن بعضها، وأن الظلم في أي مكان يخلق مسؤولية أخلاقية لدى الأحرار.
ولهذا فإن حضور القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب الحرة لم يكن موقفاً عابراً، بل امتداداً لفكرة مركزية: أن مواجهة الظلم لا تتجزأ.
فالمعادلات الجديدة في المنطقة تقوم على أن الشعوب التي تجمعها المبادئ تستطيع أن تصنع تأثيراً يتجاوز حدود الجغرافيا.
وهذا ما يجعل شعار الكرامة والتحرر أكبر من حدود أي بلد، لأنه يخاطب فطرة الإنسان الرافضة للهيمنة والاستعباد.
الخاتمة: الأحرار لا يبحثون عن حياة بلا ثمن:
تبقى سيرة الإمام زيد بن علي عليه السلام شاهدة على حقيقة كبرى: أن التاريخ لا يخلّد من اختاروا الصمت، بل يخلّد من حملوا مسؤولية الموقف.
فالأحرار لا يقيسون الحياة بعدد السنوات، بل بقيمة الرسالة التي يعيشون من أجلها.
ومن هنا فإن شعار:
من أحب الحياة عاش ذليلاً
ليس دعوة إلى الموت، بل دعوة إلى حياة الإنسان بعزة؛ لأن الحياة التي تُشترى بالتنازل عن الكرامة تتحول إلى عبء، بينما الموقف الذي يحفظ الكرامة يصبح حياةً ممتدة في ذاكرة الأجيال.
واليوم، كما كان الإمام زيد صوتاً للحق في وجه الطغيان، يرفع اليمنيون شعار كسر الحصار باعتباره عنواناً لمعركة أكبر: معركة الإنسان في الدفاع عن حقه في الحرية والسيادة والعيش الكريم.
فالأمم قد تُحاصر، وقد تُحارب، وقد تُختبر في أصعب الظروف، لكنها لا تُهزم ما دام فيها شعب يؤمن أن الكرامة أغلى من الحياة، وأن الحرية تستحق كل التضحيات.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

