بين فقدان الزوج والابن.. أم فلسطينية تتمسك بطفلها الأخير في مواجهة الجوع
السياسية - وكالات|| تقرير||
لم يعد في حياة الفلسطينية إيمان أبو جامع ما تخشى خسارته أكثر من ذلك الجسد الصغير الممدد أمامها على سرير في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي في خانيونس جنوب قطاع غزة.
فبعدما ودعت زوجها، ثم ابنها الأكبر، إثر معاناة مع سوء التغذية، تجلس اليوم إلى جوار طفلها ياسر عرفات (6 أعوام)، تخوض معه معركة جديدة ضد الجوع، وهي تدرك أن الوقت لم يعد في صالحه.
سبعة أشهر كاملة أمضاها ياسر داخل المستشفى، يصارع سوء التغذية الحاد، بينما تراقب والدته كل حركة تصدر عنه، وكل نفس يخرج من صدره، خشية أن يتكرر المشهد الذي عاشته مرتين من قبل.
تقول إيمان إن حالة طفلها لا تكاد تستقر حتى تعود إلى التدهور من جديد، وإن وزنه يواصل الانخفاض رغم العلاج، مؤكدة أن الأعراض التي يعانيها اليوم هي ذاتها التي سبقت وفاة زوجها وابنها الأكبر، الأمر الذي يجعلها تعيش في خوف دائم من أن تفقد آخر أبنائها.
وتقول بصوت يختلط فيه الألم بالأمل لصحيفة (فلسطين): "كل يوم أخشى أن يكون الأخير في حياة ياسر... لا أريد أن أدفن ابني الثالث، ولا أريد أن أبقى وحدي."
وتوضح أن طفلها يحتاج إلى الحليب العلاجي الخاص بحالات سوء التغذية الحاد من نوع "إس-100"، إلا أن نقصه داخل قطاع غزة يجبر الطواقم الطبية على استخدام بدائل لا تلبي احتياجاته العلاجية، فيما تعجز هي عن توفيره بسبب فقدان الأسرة لمصدر رزقها.
وترى إيمان أن ما تعيشه ليس حالة استثنائية، بل صورة تختصر معاناة آلاف الأسر الفلسطينية التي دفعتها الحرب والحصار إلى مواجهة الجوع إلى جانب القصف والنزوح، مؤكدة أن طفلها يدفع ثمن نقص الغذاء والدواء كل يوم.
في المقابل، يؤكد طبيب الأطفال في مستشفى ناصر، الدكتور ديب شحادة، أن ياسر يتلقى العلاج منذ نحو ستة أشهر داخل قسم التغذية العلاجية، لكن حالته لا تزال حرجة رغم كل ما هو متاح من وسائل علاج.
ويشير إلى أن الفريق الطبي يشتبه بوجود عامل وراثي أو جيني يزيد من تعقيد حالته، وقد أُعد له تحويل علاجي إلى خارج قطاع غزة لإجراء فحوصات متخصصة غير متوفرة داخل القطاع، على أمل الوصول إلى تشخيص دقيق وإنقاذ حياته.
ويضيف شحادة أن المستشفى يستقبل يوميًا حالتين إلى ثلاث حالات جديدة من الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، كثير منها يصل مصحوبًا بالتهابات رئوية أو أمراض معوية أو حمى، في وقت تتراجع فيه القدرة على توفير الغذاء العلاجي والمكملات اللازمة.
ويحذر من أن كميات الغذاء الواصلة إلى قطاع غزة لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، بينما أصبحت أسعار المواد الغذائية الأساسية خارج متناول غالبية العائلات التي فقدت مصادر دخلها، ما ينذر بمزيد من التدهور في أوضاع الأطفال الصحية.
وبين أجهزة العلاج وصمت غرفة العزل، لا تغادر إيمان مكانها. تنظر إلى طفلها، ثم ترفع بصرها إلى السماء، تلهج بالدعاء أن يحفظه الله ويكتب له النجاة. فبعد أن فقدت زوجًا وابنًا، لم يعد لديها سوى أمنية واحدة.. أن يغادر ياسر المستشفى حيًا، وألا تضيف المجاعة اسمًا جديدًا إلى قائمة من فقدتهم.

