طوفان الجنيد*


تحت غطاء الذرائع الواهية والشعارات السياسية المرفوعة والدوافع العسكرية البراقة، خاض تحالف العدوان السعودي الأمريكي الصهيوني الإماراتي وأدواته الإجرامية حرباً شعواء لا تستهدف القوة العسكرية أو الجغرافية اليمنية فحسب، فقد امتدت لتستهدف ما هو أعمق؛ الشعب اليمني في هُويته، وعقيدته، وروابطه الاجتماعية، ومنظومته الأخلاقية.

وتكشف القراءة الفاحصة لمسار هذه الحرب أن "مسخ الهوية الإيمانية اليمنية" و"تمزيق النسيج الاجتماعي" لم يكونا مجرد آثار جانبية للعمليات العسكرية، هما في صُلب الأهداف الاستراتيجية التي خطط لها التحالف لضمان الوصاية على اليمن وكسر إرادته وطمس حضارته التاريخية.

تميزت الشخصية اليمنية عبر التاريخ بارتباطها الوثيق بالعقيدة الإسلامية الصحيحة وهي "الهُوية الإيمانية"؛ مصفوفة القيم والمبادئ الأخلاقية المستمدة من الدين الحنيف، والتي تتسم بالتمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية، والحرص على العزة، والكرامة، والعدالة، والحرية، ورفض التبعية، ونصرة المظلوم.

هذه الهوية كانت دائماً صمام الأمان والدرع الواقي لليمن ضد محاولاتِ الغزو الاستعماري القديم والحديث؛ ومن هُنا، ركّز تحالُفُ العدوان جهودَه لاستهدافها ومحاولة جَرْفِها عبر مسارات خبيثة: من أهمِّها تغذيةُ الأفكار المتطرفة والفكر الدخيل لإحلال قراءات مستوردة بدلاً من التدين اليمني الأصيل بهدف خلق جيل فاقد للوعي الوطني يرى في الطاعة المطلقة للحاكم الأجنبي واجباً، وتصعيد الحرب الناعمة والغزو الثقافي بضخ هائل لثقافات استهلاكية تهدف لتمييع الشباب وفصلهم عن هُويتهم المحافظة، فضلاً عن الاستهداف الممنهج للمنابر والمؤسسات التعليمية وتدمير المدارس والمساجد التاريخية، وفرض الوصاية على المناهج لتشكيل وعي مشوه يتقبل الهيمنة.

الانتهاك الممنهج للأسلاف وحرمة الأعراض

لقد شكّلت الأعرافُ والأسلافُ القبلية في اليمن، على مدى قرون، قانوناً أخلاقياً صارماً لا يقل حزماً عن القوانين المدنية، ووضعت خطوطاً حمراء تحمي من الانتهاكات وتصون الحرمات وتُجرّم المساس بالنساء، وتجعل من الاعتداء على البيوت الآمنة "عيباً أسودَ" لا يغسله إلا الدم.

ولأن التحالفَ أدرك أن كسرَ العزة اليمنية يتطلب دكّ هذه القلعة الأخلاقية، فقد تعمد ارتكاب انتهاكات مريعة وممارسات لاأخلاقية يندى لها الجبين في المناطق الواقعة تحت سيطرته؛ تمثلت في اختطاف النساء، ونشر الرذيلة والمخدرات (كالشبو)، والاغتصابات داخل السجون السرية لدويلة الإمارات في الجنوب، وتكوين شبكات للمتاجرة بالبشر في تعز، واستخدام الابتزاز الأخلاقي كوسيلة للضغط العسكري والسياسي.

ولم تكن هذه الجرائمُ تصرُّفاتٍ فرديةً، هي سياسة ممنهجة لإذلال المجتمع اليمني وإسقاط العيب الأسود عبر توجيه المليشيات لاقتحام المنازل وترويع العائلات دون مراعاة لحرمة مسكن أو كرامة امرأة، متزامناً مع إهانة الرموز الاجتماعية واستهداف المشايخ والوجهاء بالتصفية والاعتقال لإفراغ القبيلة من قياداتها المرجعية وتحويل المجتمع إلى غابة تدعم البلطجة والفرقة.

واعتمد هذا التحالف الإجرامي على القاعدة الصهيونية الاحتلالية "فرق تسد" للقضاء على ما مثلته القبيلة من روابط التكافل والتلاحم، مستخدماً ترسانة إعلامية ضخمة لإذكاء النعرات الطائفية والمناطقية وتقسيم اليمنيين على أساس "شمالي وجنوبي" أو تصنيفات مذهبية لم يكن لها أثر صراعي في الوجدان اليمني من قبل، مما حوّل الإخوة إلى خصوم وجعل من الجغرافيا سلاحاً لتمزيق الجسد الواحد.

وترافق ذلك مع استخدام المال الخليجي لشراء الولاءات وتفتيت القبائل عبر خلق زعامات كرتونية تدين بالولاء للخارج على حساب السلم الأهلي، فضلاً عن فرض الحصار الاقتصادي وقطع المرتبات كأداة للإفقار والإذلال الخبيث لدفع الأسر نحو صراع البقاء اليومي وإضعاف التكافل، لإجبار البعض تحت وطأة الحاجة على الانخراط في صفوف الأجندات المشبوهة.

صناعة القابلية للاستعمار وتحطم المؤامرة

إن الغاية السياسية النهائية من وراء مسخ الهُوية، ودوس الأعراف، وتمزيق المجتمع هي "صناعة القابلية للاستعمار"؛ فالشعب الذي تُنتهك حرماته وتُمس أعراضه ويُجرد من عُرفه النبيل، يُراد له أن يفقد حميته ودافع المقاومة والذود عن العِرض والأرض.

وهكذا أراد التحالفُ يمناً مجزَّأً غارقاً في الثارات ومسكوناً بالخنوع، لكي يسهل تقاسمه ونهب ثرواته والسيطرة على جزره الاستراتيجية (مثل سقطرى وميون) وتحويله إلى تابع مصادر السيادة والقرار.

وفي هذا العام 2026م، يُثْبِتُ الواقِعُ أن وعيَ الشعب اليمني بأبعاد هذه المؤامرة، وتحول الانتهاكات الأخلاقية إلى وقود لرفد الجبهات بالرجال حميةً وعزةً، كان هو الصخرة التي تحطمت عليها أهداف التحالف؛ فبرغم حجم الألم، ارتدت محاولات الإذلال عكسياً، وتحولت الأعراف والأسلاف القبلية الأصيلة إلى محفز للصمود الأسطوري والدفاع عن الأرض والعرض.

إن معركةَ الحفاظ على الحرمات والنسيج الاجتماعي لا تقل أهميّةً عن المعركة العسكرية، هي الضامن الحقيقي لحرية اليمن واستقلاله وحفظ كرامة أجياله القادمة، وكل ما يبثه الإعلام المعادي ليس إلا محاولات فاشلة وعقيمة أمام وعي المجتمع وثباته والتفافه حول قيادته الحكيمة، والعاقبة للمتقين.

* المقال يعبر عن راي الكاتب