السياسية || محمد محسن الجوهري*

لم يكن الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم– ينطق عن الهوى، فكل أقواله وتوجيهاته هي وحيٌ يوحى من عند الله سبحانه وتعالى، ولو أراد الله لأنزل قرآناً يتضمن اسم الإمام علي عليه السلام ووجوب موالاته وموالاة آل بيته، إلا أن الأمر اقتصر فقط على السنة النبوية؛ لأن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم– يعلم علم اليقين من خالقه بأن الخارجين على ولاية الأمر والمخالفين للأوامر النبوية سينسبون أنفسهم إلى السنة النبوية نفسها، ولم يظهر حتى اليوم طرفٌ آخر ينكر ولاية الإمام علي –عليه السلام– وهو لا ينسب نفسه إلى هذه الفئة من الناس.

وبما أن المعاندين جميعاً نسبوا أنفسهم إليها، فهم ملزمون بقبول كل التوجيهات النبوية بشأن الإمام علي وآل البيت، بما فيها حديث الولاية والثقلين، وغيرها من الأحاديث التي وردت في كتبهم وقدموها هم للعالم. ولولا السنة النبوية وهذه الأحاديث ما عرفنا فضل علي وأولاده، ونعلم علم اليقين أن إنكارها كفرٌ يُدخل صاحبه النار، ونستغرب ممن يقبلها ويُحدِّث بها ثم يتنكر لها ويكفر من يؤمن بها؛ وهذا في حد ذاته من التناقضات الكبيرة التي تشهد بعظمة الإمام علي –عليه السلام– من جهة، وبوضاعة خصومه من جهة أخرى.

وبالحديث عن السنة النبوية المطهرة –صلى الله عليه وآله وسلم–، فقد ورد في فضل علي –عليه السلام– ما يكفي لإقناع المنصفين من الناس، أما غير المنصف فلن يؤمن ولن يوالي علياً مهما رأى من الآيات؛ لأن هؤلاء على سنة بني إسرائيل في معاندة الحق، وبالتالي لن يؤمنوا ولو رأوا الآيات العظام، وهذا هو الطبيعي بالنسبة لهم؛ فقد سمعوا جميعاً النبي –صلى الله عليه وآله وسلم– وهو يأمرهم بولاية علي ثم تنكروا لها حتى من قبل وفاة النبي –صلى الله عليه وآله وسلم–، وصدق رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم– عندما أنبأ بعض أصحابه بأنهم سيحذون حذو بني إسرائيل، وبالفعل فقد تنكروا لعلي كما تنكر أسلافهم لهارون، وتكررت فتنة السامري مع أمة محمد –صلى الله عليه وآله وسلم– كما حدثت من قبل مع أمة موسى، والسبب هو نفسه: البغي ومعاندة الحق.

ورفض ولاية الإمام علي عليه السلام لا يختلف كثيراً عن رفض إبليس –لعنه الله– للسجود لآدم عليه السلام، فالقضية هي نفسها مع اختلاف في الأسماء والحيثيات، لكنها تجتمع على قضية الاصطفاء الإلهي التي هي المحك في كل زمانٍ ومكان. وبالنسبة لأمة محمد –صلى الله عليه وآله وسلم– فإن علياً هو الاختبار الأعظم الذي يميز الناس إلى فريقين: خبيث وطيب.

والحديث هنا ليس عن قضايا لا تخص الواقع، بل على العكس تماماً؛ فولاية علي عليه السلام تمس كل مناحي الحياة وتؤكد أنها هي المحك حتى آخر الدهر، وها هم الذين تنكروا للولاية يتنكرون اليوم لكل قضايا الأمة الرئيسية، وفي مقدمتها فلسطين، فمن خذل علياً خذل غزة، فيما تتجلى في أولياء علي كل قيم الدين والنصرة التي يتحلى بها المؤمنون في عصرنا وفي كل عصر. وعندما قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم–: "علي مع الحق والحق مع علي"، إنما أراد للمستضعفين أن يلزموا جانب علي؛ فهو الطرف الوحيد الذي سينتصر لهم.

والحياد عن علي –عليه السلام– له نتائج كارثية أكبر بكثير مما نعتقد؛ فخصوم علي وأولياؤهم خطرٌ على الإسلام والمسلمين، وفي نفس الوقت هم أداة طيعة بيد أعداء الدين. وهذا ما تجلى على يد الجماعات التكفيرية في سورية –على سبيل المثال–، فقد رأيناهم لسنوات وهم يذبحون أبناء جلدتهم بمزاعم طائفية، حتى إذا سيطروا على الحكم رأيناهم وديعين جداً أمام العدو الصهيوني؛ وكأننا أمام الدرس الذي قدمه الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم– في فتح خيبر يوم أعطى الراية لأبي بكر وعمر قبل أن يعطيها لعلي؛ ليؤكد للأمة من بعده أن الراية التي ستنتصر لهم من أهل الكتاب هي راية علي، وأن الرايات الأخرى ستكون وبالاً عليهم وغنيمة لأعدائهم، والسنة النبوية تشهد بذلك، وليس الأمر مجرد تعصب طائفي أو من الأحاديث المذهبية.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب