محمد الفرح*

مُنيت السعودية بهزيمتين استراتيجيتين فادحتين، وهي اليوم تقف على أعتاب الثالثة.
في المرة الأولى، غرّت الرياض أحلامها بأن اليمن "لقمة سائغة"، متوهمةً أن المعركة العسكرية لن تتجاوز أسابيع.
حين أطلقت ما أسمتها عاصفة الحزم ٢٠١٥م دون سبب أو مسوغ قانوني أو أخلاقي، لم يكن هدفها مجرد إعادة ما سمتها "شرعية"، بل كان طموحاً جيوسياسياً بالسيطرة على السواحل والموانئ والجزر الاستراتيجية، وعلى رأسها باب المندب، وإلحاق المناطق الشرقية والجنوبية الغنية بالنفط بالخارطة السعودية.

بعد القضاء على القوى الوطنية الحرة كانت الخطة تقضي بتصفية الأدوات المحلية تباعاً بعد تحقيق الأهداف، وهو ما تجلى في تعاملها مع "الانتقالي" والاغتيالات التي طالت كل من عارضوا هذه الأوهام.
وكذلك طرد الامارات من المشهد لتستفرد بالنفوذ والسيطرة.
لكنها اصطدمت بثبات يمني صلب، جرّها إلى دوامة استنزاف شوهت سمعتها الدولية، وأجهضت رؤيتها التنموية "2030"، وكبّدتها خسائر فادحة في العتاد والأرواح، وصولاً إلى استهداف منشآتها النفطية في "أرامكو" وغيرها، مما كرس فشلاً استراتيجياً لا جدال فيه.

أما الهزيمة الثانية، فقد تبلورت في مرحلة "خفض التصعيد"، حيث ظنت الرياض أنها قادرة على لملمة أوراقها، وإعادة ترتيب مرتزقتها من محليين إلى شركات أمنية دولية (بلاك ووتر، وداين جروب، والسودانيين) لتعويض فشل الحرب الصلبة بحرب ناعمة وسياسة المراوغة. وسبب الفشل الثاني هو الرهان على ما يلي:

أولاً: الرهان على عامل الزمن:
نظرت الرياض إلى "أنصار الله" كـ"حالة مؤقتة"، راهنت على إنهاكها سياسياً واقتصادياً. فقد سعت لفرض عزلة، من خلال تشويههم، وحاولت إحياء تحالفات قبلية واهية أملاً في تفكيك القوى الوطنية، لكن الزمن أثبت أن هذه القوى تزداد تماسكاً وقدرة على إدارة الدولة.

ثانياً: الرهان على الضغوط الاقتصادية:
مارست الرياض حصاراً خانقاً على المطارات والموانئ، ونهبت الثروات الوطنية، وحولت البنوك إلى أدوات لتركيع الشعب. توهمت أن الفقر والجوع سيولدان انفجاراً داخلياً يُسقط صنعاء في حضنها كهدية، فإذا بالواقع يُثبت أن الإرادة الوطنية والتماسك والوعي الشعبي أصلب من الحصار.

ثالثاً: الرهان على الاستنزاف العسكري
اعتمدت استراتيجية مشاغلة عسكرية عبر الأدوات المحلية، في الجبهات، وكذلك عملت على زرع خلايا أمنية واستخباراتية. وقد سقطت هذه الورقة لأن صنعاء لم تنشغل يوماً بالأدوات عن الأصل، وظلت عيناها شاخصتين نحو الرياض. فبعد 11 عاماً من الزحف والقصف، أثبت هذا الأسلوب استهلاكه وعجزه عن تحقيق أي نصر.

رابعاً: راهنت على الضغوط الدولية والتحولات الاقليمية
راهنت الرياض على المتغيرات الإقليمية والدولية، معلقة آمالاً كبيرة على الإدارة الأمريكية ( عهد ترامب) لسحق خصومها. وعندما اتخذت صنعاء موقفها المبدئي المساند لغزة، انخرطت الرياض بوضوح في الصف الأمريكي-الإسرائيلي، وأنشأت تحالفات للتصدي للعمليات في البحر الأحمر. كما ظنت أن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ومحور المقاومة سينتهي بكسر هذه القوى، فإذا بالمحور يخرج أكثر تماسكاً ووحدة في "وحدة الساحات"، وباتت صنعاء لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه.

خامساً الرهان على المظلة الأمريكية:
وقد سقطت هذه الورقة وتهاوت أسطورة الحماية الغربية عندما عجزت واشنطن عن تأمين سفنها في البحر أو حماية قواعدها في الخليج، وعجزت عن فك الحصار على موانئ العدو الاسرائيلي وحمايه سفنه التي تم اغراقها امام اعين واشنطن.
هذا التحول الاستراتيجي كشف ضعف المظلة التي كانت تستند إليها الرياض، وحولها إلى أداة مستهلكة لا تخدم إلا استمرار الغرق في المستنقع اليمني.

سادساً: الرهان على التسوية وفق إملاءاتها
بعد عقد من الزمن، باتت الرياض تدرك أن الحل يكمن في التسوية، لكنها ترفض استحقاقاتها. هي لا تريد سلاماً، بل تريد "تحصيناً" لمكاسبها، وتحولاً من عدو معتدٍ إلى "وسيط" يفرض شروطه.
إنها ترفض الانسحاب من المناطق المحتلة، وتماطل في الملف الإنساني والأسرى، وكثفت الضغوط الاقتصاديه والحصار واثارت المشاكل الداخلية واصبحت تستخدم "عملية السلام" شماعة لربح الوقت، والتحشيد العسكري، ومواصلة الخنق الاقتصادي.

نحو الهزيمة الثالثة
اليوم، تقف الرياض على أعتاب هزيمة تاريخية ثالثة. صنعاء التي كسرت الحصار لم تعد تقبل بأقل من استعادة كامل السيادة والحقوق.
إن الرياض اليوم، بعد استهلاك كل أوراقها طوال 11 عاماً، أضحت أعجز من أي وقت مضى، بينما تزداد صنعاء قوةً باستنادها إلى التفاف القبائل، وغليان الشارع ضد مسببي الكارثة الاقتصادية، وتطور القوة الصاروخية والمسيرة التي أعادت رسم قواعد الاشتباك.
و لم يعد أمام الرياض إلا أن تدرك أن بنك الأهداف اليمني واسع والسن بالسن، ولم تعد صنعاء تخشى خسارة أي شيء.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* رابط التغريدة : https://x.com/MohammedAlfrah/status/20738650571720...