البيان السعودي: هل أصبح الدفاع عن غزة جريمة، أم أنكم تبررون دعمكم للصهيونية؟
عدنان عبدالله الجنيد*
لقد سقط القناع.
ولم يعد البيان السعودي الأخير سوى محاولة يائسة لتجميل عدوانٍ فاضح، وتدوير الأكاذيب بلغة السلام والحرص الإنساني، في وقتٍ لا تزال فيه جراح اليمن مفتوحة منذ أحد عشر عامًا، ويُرتكب في غزة عارٌ إنسانيّ يهزّ ضمير العالم.
يخرج النظام السعودي ببيانٍ هزيل، لا ليقول الحقيقة، بل ليهرب منها؛ لا ليدافع عن شعبٍ أنهكه الحصار، بل ليبرّر موقعه في معسكر التواطؤ. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة لا يمكن الالتفاف حولها:
- هل أصبح الوقوف مع غزة وشعب فلسطين جريمة في قاموسكم؟
- أم أن الجريمة الحقيقية هي انكشاف دعمكم السياسي واللوجستي للمشروع الصهيوني، في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس نصرةً لغزة؟
إن هذا البيان لا يخاطب العقول، بل يستخف بها.
ولا يدافع عن موقف، بل يفضح صاحبه.
ولأن الحقيقة لا تُهزم بالبيانات، فإن تفكيك هذا الخطاب المضلِّل ضرورة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، عبر أربعة محاور تكشف زيفه من جذوره.
المحور الأول: أيُّ خارطة طريق هذه… وطريق الثروات ينتهي في خزائنكم؟
تتحدثون عن خارطة طريق للسلام، بينما الواقع يقول إن الطريق الوحيد الذي تسلكونه هو طريق نهب الثروات اليمنية، وتحويل عائداتها النفطية والغازية إلى بنوككم، ثم العودة للظهور بمظهر الوسيط الحريص على الشعب اليمني.
أي سلام هذا، وأنتم تحاصرون الموانئ، وتقيّدون المطارات، وتساومون بحقوق سيادية بديهية، وكأن السماء والأرض والبحر أملاك حصرية لكم؟
وأي صدق في ادعاء رفض الطرف الآخر لخارطة الطريق، وقد أُعلنت الموافقة عليها مرارًا، فيما كنتم أنتم تماطلون، وتراهنون على اتساع العدوان الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة، أملاً في إعادة فرض وصاية سقطت إلى غير رجعة؟
لقد خاب رهانكم، وانكشفت نواياكم: لا تريدون سلامًا، بل وقتًا إضافيًا لإدارة العدوان بأدوات أقل كلفة.
المحور الثاني: ما أفظعك حين يصير الجلاد وصيًا على السيادة
تتشدقون اليوم بالدفاع عن سيادة اليمن والقانون الدولي الإنساني ، وكأن الذاكرة الجماعية يمكن محوها ببيان.
من الذي شنّ مئات الآلاف من الغارات على المدن والقرى؟
من الذي دمّر البنية التحتية، واستهدف الأسواق والمقابر والمستشفيات؟
ومن الذي حوّل حياة ملايين اليمنيين إلى معركة يومية مع الجوع والمرض؟
ما أفظعك حين يصير الجلاد منقذًا، والقاتل واعظًا، والمعتدي حارسًا للسيادة.
إن اعتبار عودة مواطنين عالقين، أو سفر مرضى، تهديدًا للأمن، ليس حرصًا على السيادة، بل قمة الوقاحة السياسية، ودليل نظامٍ فقد رشده، ولم يعد يفرّق بين حماية الحدود وانتهاك حياة البشر.
المحور الثالث: أسئلة لا يجيب عنها بيان
هل تعتقدون حقًا أن شعبًا تشكّل وعيه على مشروع قرآني، ويعرف عدوه الحقيقي، يمكن تضليله بهذه اللغة المستهلكة؟
شعبٌ يدرك أن العدو ليس من يدافع عن وطنه، بل من يمدّ الكيان الصهيوني بالغطاء السياسي، بينما تُرتكب في غزة إبادة جماعية على مرأى العالم.
أليس من التناقض الفاضح أن تتحدثوا عن المدنيين في غزة، وأنتم تحاصرون شعبًا كاملًا في اليمن؟
أليست بيانات التضامن مع فلسطين مجرد ورقة توت لستر صمتكم وتواطؤكم؟
أليس ادعاء محاربة الإرهاب هو الغلاف الجاهز لكل عدوان يخدم الأجندة الصهيو–أمريكية؟
هذه ليست أسئلة بلاغية، بل اتهامات مكشوفة، والإجابات معروفة سلفًا.
المحور الرابع: اسألوا أرامكو… اسألوا البحر الأحمر… لكن لا تسألوا اليمن
تتوعدون بالردّ بقوة غير مسبوقة، لكن هذه القوة لم تُرَ يومًا حين كان أطفال غزة يُسحَقون تحت القصف.
تتحدثون عن أمن البحر الأحمر، بينما صار هذا البحر شاهدًا على لحظة فرز تاريخية:
من يقف مع فلسطين بالفعل، ومن يسلّم مفاتيح المنطقة للعدو.
اسألوا أرامكو عن الثروات المنهوبة.
اسألوا تل أبيب عن تنسيقكم الصامت.
اسألوا البحر الأحمر عن السفن والمسارات والمصالح.
لكن لا تسألوا الشعب اليمني، لأنه أجاب منذ زمن: الحرية، السيادة، وفلسطين… مهما كان الثمن.
خاتمة:
البيان السعودي لا يُدين اليمن، بل يُدين نفسه.
لا يفضح من ناصر غزة، بل يفضح من اختار الاصطفاف الخطأ.
ففي لحظات التحول الكبرى، لا تنفع البيانات، ولا تُجدي الأقنعة.
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى،
والحقيقة… مهما طال الحصار، أقوى من كل تزييف.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

