السياسية || تقرير|\


في خيمة نزوحٍ متواضعة غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تتقاطع معاناة طفلة صغيرة مع قسوة المرض وضيق الحال، لتتشكل حكاية إنسانية ثقيلة تُختصر في اسم واحد: آيات الأخرس، طفلة لا تزال تنتظر رحلة علاجٍ قد تُنقذ حياتها وتعيد لها حقها البسيط في طفولةٍ لم تكتمل.


آيات، التي وُلدت وهي تحمل ثلاثة ثقوب في القلب، بدأت رحلتها مع المستشفيات منذ أيامها الأولى، حيث خضعت لعملية قلب مفتوح وهي لم تتجاوز الثمانية أشهر. يومها ظنت أسرتها أن صفحة الألم قد طُويت، وأن الطفلة بدأت طريق التعافي، غير أن السنوات التالية حملت معها فصولًا جديدة من المعاناة، أخفت وراء التهابات متكررة في المسالك البولية مرضًا أكثر تعقيدًا، لم يظهر إلا بعد تدهور حالتها بشكل خطير.


تقول والدتها، مايسة الأخرس، لـ صحيفة (فلسطين)، إن الحرب فاقمت المأساة التي كانت تتفاقم أصلًا في صمت. فبين فقدان أحد أبنائها، وتدهور الوضع الصحي لابنتها، وجدت الأسرة نفسها أمام سلسلة من الانهيارات المتلاحقة.


وتشير إلى أن الفحوصات الطبية الأخيرة كشفت عن ارتجاع شديد في البول أدى إلى تضخم في الكلية اليسرى، إضافة إلى إصابة ببكتيريا خطيرة لم تعد تستجيب للعلاج بسهولة، ما جعل حياة الطفلة اليومية أقرب إلى معركة مستمرة مع الألم.


وتضيف الأم أن آيات لم تعد قادرة على ممارسة طفولتها بشكل طبيعي؛ فبين زيارات المستشفيات المتكررة، والقسطرة التي تم تركيبها ثم إزالتها بعد مضاعفات خطيرة، وبين الألم الليلي المتواصل، انسحبت الطفلة تدريجيًا من عالم الأطفال، لتغرق في عزلةٍ فرضها المرض أكثر مما فرضتها الظروف.


ورغم حصولها على تحويلة طبية للعلاج في الخارج منذ أشهر، لا تزال آيات تنتظر دورها في الإجلاء، فيما تتدهور حالتها الصحية يومًا بعد يوم.


وتصف والدتها رحلة العلاج داخل قطاع غزة بأنها "معاناة لا تنتهي"، تبدأ من ساعات الطريق الطويلة إلى المستشفيات، ولا تنتهي عند نقص الأدوية وصعوبة توفيرها أو تحمل تكاليفها.


لم تتوقف معاناة آيات عند حدود الجسد، بل امتدت إلى روحها الصغيرة. فالعزلة التي فرضها المرض، ونظرات الأطفال من حولها، جعلتها تنسحب من محيطها الاجتماعي شيئًا فشيئًا، لتصبح قليلة الكلام، منعزلة، لا تغادر الخيمة إلا مكرهةً في طريقها إلى المستشفى.


وتختم والدتها حديثها بنبرة يختلط فيها الرجاء بالألم، قائلة إن أبسط مقومات الحياة باتت حلماً بعيد المنال، من الدواء إلى الغذاء، في ظل ظروف اقتصادية خانقة وانعدام مصادر الدخل.


وبين عجز الإمكانيات وطول انتظار الإجلاء، تبقى آيات عالقة بين المرض والأمل، تترقب فرصة قد تُعيد إليها ما سرقه الألم من طفولتها.


وهكذا، تبقى قصة آيات الأخرس أكثر من مجرد حالة طبية؛ إنها شهادة حيّة على طفولة تُصارع البقاء في ظروف قاسية، ونداء إنساني مفتوح للعلاج قبل أن يغلق المرض أبواب الأمل بالكامل.