غزة - السياسية:





بينما العالم يشاهد مونديال 2026 لكرة القدم، تواجه الرياضة الفلسطينية في قطاع غزة تحديات وجودية غير مسبوقة، فالملاعب التي احتضنت أجيالًا من اللاعبين تحوّلت إلى ركام أو ملاجئ للنازحين، والرياضيون الذين كانوا يحملون آمالًا باسم فلسطين أصبحوا بين شهيد وجريح ونازح، بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر على القطاع المحاصر.


هذا التقرير يرصد ما آلت إليه الرياضة في غزة منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023؛ وما أنفقته الولايات المتحدة على هذا العدوان، الذي سيبقى وصمة عار في تاريخها؛ ما يجعلها تستغل المونديال لـ"تبييض" هذه الجريمة.



بينما تتابع الجماهير الرياضية حول العالم نجومها المفضلين وما يقدمونه في مونديال 2026، تواجه الحركة الرياضية الفلسطينية أكبر نزيف في تاريخها، بعد خسارة نحو ألفين من نجومها وكوادرها بين شهيد وجريح، وتدمير بنيتها التحتية.

واشنطن تواصل تبيّض جرائم "إسرائيل"

من المفارقات أن الولايات المتحدة الأمريكية إحدى الدول المستضيفة للمونديال الحالي، في وقت تُعد هي الداعم الأكبر لجريمة الإبادة الصهيونية في قطاع غزة، ما يؤكد أن واشنطن تستخدم الرياضة لمحاولة تبييض جرائمها ضد الشعب الفلسطيني ورياضته وغيره من شعوب العالم.

وتُعد هذه النسخة من كأس العالم إحدى أكثر النسخ إثارة للجدل سياسياً وحقوقياً، إذ تتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الصهيونية في قطاع غزة، وما يرافقها من انتقادات دولية للسياسات الأمريكية الداعمة للكيان الإسرائيلي، في وقت تُرفع فيه شعارات السلام والوحدة التي لطالما ارتبطت بكرة القدم، بينما تتواصل عمليات استهداف الرياضيين الفلسطينيين وتدمير البنية التحتية الرياضية في القطاع.

ورغم محاولة الإدارة الأمريكية تبييض جريمتها المتمثلة بدعم حرب الإبادة الصهيونية في غزة، من خلال استغلال مشاركتها في استضافة وتنظيم كأس العالم، إلا أن حجم المساعدات العسكرية التي قدمتها لجيش الكيان الإسرائيلي الفاشي المجرم، تؤكد تغول المشاركة الأمريكية في إحدى أكبر الجرائم في العصر الحديث.

وكشف تقرير أعده معهد أبحاث كوينسي ومقره واشنطن، نشره في 7 أكتوبر 2025، أن الولايات المتحدة قدمت للكيان الإسرائيلي مساعدات عسكرية تتجاوز قيمتها 21.7 مليار دولار منذ بداية حرب الإبادة على غزة، وذلك خلال إدارتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترامب.

وذكر التقرير أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قدمت 17.9 مليار دولار من هذه المساعدات، بينما أضافت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب 3.8 مليار دولار أخرى.

فيما كشفت دراسة أمريكية أصدرها مشروع "تكاليف الحرب" التابع لكلية واتسون للشؤون الدولية والعامة في جامعة براون الأمريكية، في أكتوبر 2025، حول الإنفاق العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، عن أن الولايات المتحدة أنفقت ما بين 9.65 مليار و12 مليار دولار على أنشطتها العسكرية في المنطقة منذ 7 أكتوبر2023.

وتعكس هذه الأرقام مدى مشاركة واشنطن في جريمة الإبادة والحصار والتجويع الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي أسفرت حتى نهاية يونيو المنصرم عن استشهاد 73,066 مدنياً فلسطينياً، غالبيتهم من الأطفال والنساء، وإصابة 173,514 آخرين، في حصيلة غير نهائية، حيث لا يزال الآلاف من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات لا تستطيع طواقم الإسعاف والإنقاذ الوصول إليهم.


أرقام صادمة

وتبيّن الإحصائيات الرسمية الموثقة حتى فبراير الماضي، حجم الجريمة الصهيونية بحق الرياضة الفلسطينية في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، سواء على مستوى الكوادر البشرية أو البنية التحتية والمنشآت الرياضية.

ووفقاً للجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، بلغ إجمالي عدد الشهداء من منتسبي الاتحادات والأندية والمؤسسات الشبابية والكشفية 1009 شهداء، آخرهم حارس مرمى فريق خدمات خان يونس لكرة القدم، سليم خضر الأشقر (32 عاما) الذي ارتقى برصاص جيش العدو الإسرائيلي في 29 يونيو المنصرم.

وتوزع هؤلاء الشهداء على 964 من الذكور و45 أنثى، وشملت هذه الإحصائية لاعبين، ومدربين، وإداريين، وحكاماً، ورؤساء وأعضاء مجالس إدارات، وكوادر عاملة في الاتحادات والمؤسسات الرياضية.

وسجّل الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم العدد الأكبر من الضحايا بواقع 567 شهيداً، ثم بقية الاتحادات الأولمبية بعدد شهداء بلغ 317، تليه جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية بـ125 شهيداً.

وبلغ عدد المفقودين من منتسبي الحركة الرياضية الفلسطينية 5 مفقودين، من لاعبين ومدربين وإداريين في عدد من الأندية الرياضية.


أضرار مادية مهولة


ووفقاً للجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، بلغ إجمالي عدد المنشآت والملاعب والصالات والمقرات الإدارية المتضررة 265 منشأة، توزعت بين 184منشأة دُمرت كلياً، و81 منشأة دُمرت جزئياً، وشملت الأضرار الاستادات الرئيسية، والصالات المغطاة، ومقرات الأندية والمؤسسات الرياضية، وملاعب كرة القدم المعتمدة، وملاعب كرة السلة والطائرة والتنس، والمسابح، وصالات اللياقة البدنية، إضافة إلى مضمار ألعاب القوى الوحيد في قطاع غزة.

وتحولت بعض الاستادات الرئيسية في قطاع غزة، ومن بينها استاد اليرموك واستاد فلسطين واستاد الدرة، إلى مراكز لإيواء النازحين.

كما وثقت تقارير رياضية فلسطينية استشهاد مئات اللاعبين، بينهم أطفال وناشئون كانوا يمثلون مستقبل الرياضة الفلسطينية.

وتبيّن هذه الأرقام حجم الخسائر الجسيمة التي تكبدها القطاع الرياضي في قطاع غزة، وما ترتب عليها من تأثيرات عميقة على مسيرة الحركة الرياضية الفلسطينية، سواء على صعيد الكوادر البشرية أو على مستوى البنية التحتية والمنشآت الرياضية، كما تؤكد تعمد العدو الإسرائيلي ارتكاب جريمة إبادة ممنهجة بحق الرياضة الفلسطينية التي باتت تشكل إزعاجا دائماً له في المحافل الدولية.


منشآت رياضية تحوّلت إلى مراكز قمع


ووفق الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ومصادر محلية، وصور موثقة، حوّل جيش العدو الإسرائيلي بعض الملاعب في قطاع غزة إلى مراكز توقيف وتحقيق وأماكن قمع وتعذيب.

وتظهر الصور والتحقيقات الميدانية أن هذه التحولات لم تكن عشوائية، بل جاءت في مناطق محددة، ما يعكس نمطًا ممنهجًا من الاستهداف الصهيوني يشمل الرياضة الفلسطينية ومنشآتها.


غياب موقف عالمي

ومنذ بدء جريمة الإبادة عمل جيش العدو الإسرائيلي على الاستهداف الممنهج والمتواصل بحيث شمل كل عناصر البنية التحتية الرياضية، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي واستشهاد المئات من لاعبين ومدربين وحكام خلال العدوان الصهيوني الفاشي.

وعلى الرغم من توثيق ذلك، لم تصدر أي بيانات فعلية من الاتحادين الدولي لكرة القدم (فيفا) والأوروبي (يويفا) تطالب بوقف الاعتداء على المنشآت الرياضية، وهو ما يثير تساؤلات حول مسؤولية المنظمات الرياضية الدولية في حماية الرياضة كمرفق مدني.


انتهاك للميثاق الأولمبي


واعتبرت اللجنة الأولمبية الفلسطينية، في تقاريرها على موقعها الإلكتروني، أن استهداف الرياضيين والمنشآت الرياضية يمثل انتهاكاً صارخاً للميثاق الأولمبي والمواثيق الدولية التي تنص على حماية الرياضة ومرافقها، مؤكدة استمرارها في توثيق الأضرار ورفعها إلى الاتحادات الدولية المختصة لتحميل الكيان الإسرائيلي المسؤولية القانونية والأخلاقية.

ووفق تقرير للجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، فإن استهداف المنشآت الرياضية لم يقتصر على تدمير البنية التحتية، بل امتد ليحرم آلاف الأطفال والشباب من حقهم في ممارسة الرياضة، ويعطل برامج إعداد المنتخبات الوطنية الفلسطينية، ويهدد مستقبل الفئات العمرية الناشئة، كما تحولت بعض الملاعب إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما دُفن شهداء في ساحات ملاعب أخرى نتيجة كثافة القصف الصهيوني.

ويؤكد التقرير أن حجم الخسائر المادية يقدر بملايين الدولارات، ما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لإعادة إعمار المنشآت الرياضية ودعم الاتحادات المتضررة واستعادة النشاط الرياضي في قطاع غزة.


حرمان من الرياضة


ويقول أمين عام الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، مصطفى صيام، في تصريح لوكالة "قدس برس" إن الأضرار لم تقتصر على الأندية والملاعب التقليدية، بل شملت أيضًا الملاعب المعشبة، حيث دُمّر عشرة ملاعب كانت تستضيف مسابقات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بمختلف فئاتها العمرية، إلى جانب بطولات كرة القدم الخماسية التي كانت تقام في الصالات المغلقة، ومنافسات كرة القدم الشاطئية التي كانت تُنظم على شاطئ غزة.

وأكد صيام أن العديد من الملاعب الكبرى والصغرى التي كانت تعج بالحياة الرياضية دُمّرت بالكامل، ما حرم آلاف الغزيين من ممارسة أنشطتهم وهواياتهم الرياضية.


عنوان الصمود

لقد أوقف العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة مسيرة آلاف اللاعبين الذين فقدوا أحلامهم ومصدر رزقهم، في ظل دمار طال المنشآت الرياضية والمساحات الآمنة لممارسة الرياضة، غير أن الرياضة الفلسطينية أثبتت عبر العقود الماضية، أنها قادرة على العودة من جديد.

وفي الوقت الذي لا يزال فيه دمار الملاعب والمنشآت الرياضية شاهداً على آثار جريمة الإبادة الإسرائيلية، تبقى الرسالة الأبرز هي أن الرياضة في قطاع غزة كانت ولا تزال عنواناً للحياة والصمود، في عالم يبدو أنه نسيّ مأساة الرياضة في إحدى بقاعه، وأدار ظهره لها وراح يستمتع بمشاهدة منافسات كأس العالم.