السياسية || محمد محسن الجوهري*

بحسب البيانات الأمريكية الرسمية فإن حجم الاقتصاد الأمريكي يساوي 32.38 تريليون دولار، وهو أكبر اقتصاد عالمي من حيث الأرقام، بالمقابل بلغ الدين العام الأمريكي مستوى قياسياً تاريخياً، حيث تجاوز 39 تريليون دولار في مارس 2026، أي أن حجم الميزانية أقل بكثير من مستوى الديون.

وهذا يعني أن الحكومة الأمريكية تقترض أكثر مما ينتجه اقتصادها بالكامل في عام واحد، والفجوة الحقيقية ليست بين 32 و39 فقط، بل هي أن الدين (39 تريليون) يمثل أضعاف الدخل الضريبي السنوي للحكومة، مما يعني أن سداد الدين بالكامل من الإيرادات الحالية أمر شبه مستحيل تقنياً دون الاقتراض مجدداً أي تدوير الدين والمستفيد الأول ليس الحكومة الأمريكية ولا الشعب الأمريكي، ولكن طرف آخر ثالث هو الموجه الرئيسي للحكومة الأمريكية عبر سياسة الديون المتراكمة، مما يحول الميزانية إلى مجرد وسيلة لسداد تكاليف الماضي.

وهذا الطرف يفرض على الدولة والمواطنين الانخراط في دوامة اقتصادية مرهقة من أجل مصلحته هو، فعندما يقفز الدين إلى مستوى 39 تريليون دولار، تجد الحكومة نفسها في سباق محموم؛ وبدلاً من توجيه أموال الضرائب لخدمة المواطنين، تضطر لضخ مئات المليارات سنوياً كمدفوعات فائدة للمستثمرين والصناديق الدولية (الطرف الثالث). وتزداد الأمور تعقيداً إذا قررت البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة عالمياً، فكل زيادة بسيطة في النسبة المئوية تعني إضافة مبالغ فلكية إلى "بند الفوائد" في الميزانية. وهذا الوضع قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي، الذي يعتبر في معظمه اقتصاداً افتراضياً ولا يستند لقوة فعلية على الأرض.

وهنالك أكثر العديد من الأسباب التي من شأنها تسريع عملية الانهيار، أولها امتناع المواطن الأمريكي عن دفع الضرائب للحكومة الفدرالية، فلو -مثلاً- توقف 20% (خُمس) دافعي الضرائب في الولايات المتحدة عن السداد فإن ذلك يمثل "كابوساً مالياً" يتجاوز مجرد نقص السيولة، ليضرب ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وفقدان الخزانة المركزية لمئات المليارات شهرياً.

وهذا العجز المفاجئ سيؤدي إلى إغلاق المؤسسات الفدرالية وتوقف مشاريع البنية التحتية، والأبحاث العلمية، والبرامج البيئية لعدم توفر التمويل، والأهم هو توقف النشاط العسكري الأمريكي في العالم لأن تحركات الجيش الأمريكي خارج حدود بلاده مكلف جداً ولذلك اعتمدت إدارة ترامب مبلغ 1.5 تريليون دولار كميزانية عسكرية للعام الحالي فقط 2026.

وبالتالي فإن فقدان نظام الاقتصاد الأمريكي "المثقل بالديون" لخمس عائداته سيؤدي لزلزال قد ينهي هيمنة واشنطن ويجبر الحكومة على اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية أو طباعة نقود بشكل مفرط يؤدي إلى تضخم مدمر لعملتها الرسمية، التي هي أحد ركائز السيطرة الأمريكية على اقتصاد العالم.

وهنالك -أيضاً- سبب آخر قد يؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي وهو توقف عائدات الخليج النفطية وغير النفطية من الذهاب إلى المصارف الأمريكية، وهذا وارد جداً بسبب الحرب الدائرة حالياً مع إيران واستمرار الأخيرة في إغلاق مضيق هرمز، وفي حال توقفت هذه التدفقات فسيتراجع الطلب العالمي على الدولار. إذا لم تعد الدول بحاجة لتخزين الدولار لشراء الطاقة، وستفقد العملة الأمريكية قيمتها الشرائية العالية وهيمنتها كعملة احتياط أولى.

والأسوأ هو أن دول الخليج تعتبر المستثمر الرئيس في البنوك الأمريكية، وسيؤدي غياب السيولة الخليجية إلى فجوة هائلة في التمويل، وقد يؤدي لانهيار المؤسسات المالية التي تعتمد على هذه التدفقات المستقرة، البنوك الكبرى في "وول ستريت" التي تعتمد على الودائع الخليجية الضخمة كمصدر للسيولة التي تُستخدم في الإقراض والاستثمار.

وهذا السيناريو يعني ببساطة "نهاية الهيمنة الأمريكية المطلقة" على الاقتصاد العالمي. فأمريكا لا تستمد قوتها من إنتاجها المحلي لأنه لا يفي بالتزاماتها، ولكن من دورها كـ "مخزن للمال العالمي". وإذا فقدت ودائع النفط، ستواجه حقيقة ديونها الضخمة دون وجود "غطاء دولي" يحميها من التضخم أو الانهيار المالي.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب