داوود حسن.. مارادونا الفن الكويتي
السياسية || محمد محسن الجوهري*
صحيح أن ماردونا ليس أقدم نجمٍ كروي في الأرجنتين، لكنه كان يقيناً 'الأول' الذي حوّل بلاده من مجرد رقم في القارة إلى قوة عالمية تكسر هيمنة البرازيل وتناطح كبار اللعبة بجدارة. هذا التوصيف يجد انعكاسه الدقيق في مسيرة داوود حسين؛ الفنان الذي نقل الفن الكويتي من حيز الجغرافيا المحلية إلى فضاء 'الأيقونة العربية' العابرة للحدود.
لقد استطاع داوود، بعبقريته في تقمص الشخصيات وسرعة بديهته، أن يجعل من الفن الكويتي مادةً منافسة قادرة على الصمود والإبداع في أصعب الظروف. ولكن، ومن قبيل المفارقات التراجيدية، أن هذا العطاء الذي امتد لعقود جُوزي بـ 'جزاء سنمار'؛ فبدلاً من تكريمه كرمزٍ وطني ساهم في تشكيل وجدان الأجيال، جاء قرار إسقاط جنسيته ليمثل صدمةً في الأوساط الفنية والثقافية، متجاهلاً فضله الكبير الذي لم يقتصر على الفن فحسب، بل امتد لخدمة السياسة والقضايا الوطنية الكويتية في المحافل الدولية عبر فنه وصوته.
لعب داوود حسين بالجمهور دوراً محورياً يتجاوز حدود الترفيه السطحي ليصبح حارساً للهوية الثقافية الكويتية وسفيراً لها. ففي وقت كانت فيه اللهجات الخليجية تُعتبر لدى البعض في الشام ومصر والمغرب العربي لهجاتٍ صعبة المراس أو مغرقة في المحلية، جاء داوود حسين ليُحدث اختراقاً لغوياً غير مسبوق؛ حيث طوّع المفردة الكويتية، ومنحها طابعاً موسيقياً وفكاهياً جعلها تنساب بسلاسة إلى أذن المستمع العربي من المحيط إلى الخليج.
كان لداوود الفضل الأكبر في فكّ الارتباط الذهني لدى المشاهد العربي بين اللهجتين الكويتية والعراقية، اللتين كثيراً ما كان يختلط أمرهما على غير أبناء المنطقة؛ فبفضل براعته في الأداء، استطاع إبراز الخصوصية الصوتية والجمالية للهجة الكويت بذكاءٍ شديد، محولاً إياها إلى 'لغة كوميدية عابرة للحدود'، مفهومة، محبوبة، ومحاكاة من قبل الجماهير في مختلف الأقطار.
وهذا التأثير كان عملية تصدير ثقافي متكاملة؛ فلولاه، ولولا تلك الكاريزما التي صبغ بها إنتاجه، لربما ظل الفن الكويتي حبيس أسوار الجغرافيا الضيقة أو محدوداً في نطاق دول الجوار. لكنه بعبقريته، دفع بالإنتاج الدرامي والمسرحي الكويتي نحو فضاءات أرحب من المنافسة، واضعاً إياه في مصافِ المدارس الكوميدية الكبرى، ليثبت أن الإبداع الحقيقي هو الذي يكسر العزلة ويصنع من 'المحلية' جسراً نحو العالمية العربية.
والأهم من ذلك، هو الدور "الوطني" الذي لعبه في مرحلة مفصلية وحساسة من تاريخ الكويت؛ ففي أعقاب حرب الخليج، وما تلاها من اضطرابات أمنية وسياسية أدت إلى اختفاء العديد من الوجوه الفنية وتوجس البعض الآخر، برز داوود حسين بشجاعته الفنية ليكسر حالة العزلة الثقافية. لقد أعاد للفن الكويتي بريقه الذي خفت بسبب التجاذبات السياسية، وبث روح البهجة في وقت كان المجتمع فيه يبحث عن طوق نجاة من آثار الحرب والتوتر.
ورغم جحود الدولة الكويتية إلا أنها في الأخير خسرته هو قبل أن يخسرها، فداوود حسين شخصية عالمية وأكبر من أن يمثل دولة تفضل ثقافة العزلة والسطحية على أن تكون عالمية الثقافة، فخسارة موهبة بحجم داوود، الذي كان جسراً ثقافياً عالمياً للكويت، تعكس فجوةً عميقة بين رؤية المبدع الطموحة وبين ضيق الأفق البيروقراطي الذي يضحي برصيد البلد الثقافي من أجل حسابات ضيقة، ليظل داوود هو الرابح بمستوى شعبيته، وتظل الدولة هي الخاسرة لواحد من أهم أدوات قوتها الناعمة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

