ملوك الطوائف وزعماء العرب
السياسية || محمد محسن الجوهري*
ما بين عامي 1031 و1492 ميلادية، انقسمت الأندلس الإسلامية إلى أكثر من 30 مملكة صغيرة عُرفت باسم "ملوك الطوائف"، ورغم أن تلك الدويلات كانت على دينٍ واحد وبلا خلافات مذهبية كبرى، إلا أنها كانت متناحرة فيما بينها، وكان سبب الخلافات هو الصراع المحموم على السلطة وانخراط أهل الكتاب في بلاط كل إمارة على حدة، إضافة إلى قبولهم بدور "التابع" للقوى المسيحية الصاعدة. وبدلاً من أن يكونوا حكاماً يملكون قرارهم، تحولوا إلى "زبائن" عند ملوك الشمال المسيحيين، يدفعون لهم "الجزية" (التي كانوا يسمونها هدايا ورشاوى) من أموال شعوبهم، فقط ليضمنوا استمرارهم في السلطة لعامٍ إضافي.
الكارثة أن الممالك المسيحية بنت من الثروات المسلمة جيوشاً قوية وترسانات ضخمة من الأسلحة، لينتقلوا بعدها من مرحلة التحريض بين المسلمين وممارسة الوصاية عليهم إلى المهاجمة المباشرة للمالك الإسلامية الموالية لهم، فلم يكتفوا بأخذ الجزية من المسلمين وبدأوا بالنيل من إماراتهم الواحدة تلو الأخرى، وفي كل مرة كانوا يجبرون سكان الإمارة المحتلة من المسلمين على اعتناق المسيحية والعمل تحت راية الكنيسة كمواطنين من الدرجات الدنيا، وهذا الإذلال لم يقنع بقية الإمارات في التوحد والوقوف في وجهة المد التصراني، بل اسمتروا في الاختلاف حتى سقطت آخر ممالكهم وهي غرناطة سنة 1492، لتبدأ حقبة زمنية حالكة السواد في التاريخ الإسلامي، وهي مرحلة تنصير العرب بالقوة، وقتل كل من يبقى على دينه.
وحتى الأسر المتنصرة لم تسلم من الإذلال، فقد أنشأ المسيحيون ما كان يُسمى بمحاكم التفتيش، وكان من مهامها مراقبة الأسر من أصول عربية (الموريسكيين) والتدقيق في صحة تنصرها ومعاقبة المشكوك في أمرهم بالقتل حرقاً، وقد اعتمد النصارى في محاكم التفيش تلك على منظومة "الترهيب" الممنهج عبر جلسات "فعل الإيمان" التي كانت تنتهي بالإعدام حرقاً كاستعراضٍ علني للقوة، بالتوازي مع شبكة واسعة من "التجسس" التي حرّضت الجيران على وشاية بعضهم البعض، حيث كان يكفي أن يُرصد عربي يغتسل يوم الجمعة أو يتحدث بالعربية أو يمتنع عن تناول الخنزير ليواجه مصيره.
ولم تكتفِ المحاكم بذلك، بل طورت ترسانة من "وسائل التعذيب" الوحشية والمبتكرة لانتزاع الاعترافات، مُحوّلةً أقبية السجون إلى مسالخ تهدف في جوهرها إلى اجتثاث الهوية الإسلامية من جذورها وتفكيك الروح الجماعية للمورسكيين حتى يتخلوا طوعاً أو كرهاً عن عقيدتهم.
وهذه العاقبة ليست ببعيدة عن وضعية العرب اليوم، فالزعماء العرب هم أنفسهم ملوك الطوائف ويعيشون تحت الحماية المسيحية واليهودية معاً، ورغم التسامح المطلق تجاه أهل الكتاب إلا أن ذلك لم يحمهم بقدر ما استنزف ثروتهم، وها هي المنطقة بكلها على أعتاب مشروع "إسرائيل الكبرى" بعد أن تفتت السيادة وانكفاء كل كيان على حماية وجوده اللحظي على حساب المصلحة الاستراتيجية الكبرى.
وفي ظل غياب مشروع وحدوي أو رؤية إقليمية متماسكة، أصبحت الحدود الوطنية التي كانت يوماً نقاط تلاقٍ، جدران عزل تذكيها الانقسامات الأيديولوجية والولاءات الخارجية. وكما كان ملوك الطوائف يستدعون القوى الأجنبية لحسم نزاعاتهم البينية مقابل التنازل عن مقدراتهم أو سيادتهم، نشهد اليوم استقواءً مستمراً بواشنطن وتل أبيب لتثبيت توازنات القوى المحلية، مما حول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات تمهيداً لاحتلالها وتشريد أهلها.
ومصير مسلمي غرناطة ينتظر العرب لا محالة، ولولا القلة المؤمنة في محور الجهاد والقدس لكان الغرب قد قضى على العرب بالكامل، وأجبرهم على تغيير عقيدتهم الإسلامية، وقد رأينا كيف أن حكام الخليج يهيؤون شعوبهم لمرحلة ما بعد الإسلام عبر الدين الإبراهيمي وهيئة الترفية وغيرها من وسائل التدجين التي تنتزع من الشعوب حميتها وانتماءها للإسلام، وقبل ذلك جعلت من دول الخليج بالذات خناجر مسمومة تضرب الأمة في ظهرها وتعتدي وتحرض على كل حر يرفع راية الإسلام حتى في بلاد الحرمين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

