السياسية || محمد محسن الجوهري*

ما كان محرماً في السعودية قبل نصف عقد بات اليوم من المندوبات في دولة آل سعود، فالحاكم له السلطة المطلقة في التحليل والتحريم فهو الدين والدولة والشعب والرأي العام، ومن يعترض يجني على نفسه حتى لو كان الاعتراض على شيء حرمته الدولة السعودية دون غيرها، فكل الفرائض الدينية مرنة وقابلة للطرق والسحب باستثناء قدسية الحاكم التي تفوق قدسية الخالق سبحانه وتعالى في دين آل سعود.

فعلى سبيل المثال، كانت دور السينما مغلقة لعقود طويلة بدعوى مخالفتها للقيم الدينية، قبل أن يُعاد افتتاحها رسميًا عام 2018. كما أن الحفلات الغنائية التي كانت تُقابل بالمنع أو التضييق، أصبحت تُنظم بشكل دوري ضمن فعاليات مثل موسم الرياض، الذي يستقطب فنانين عالميين وجمهورًا واسعًا. وبعد أن كانت "هيئة الأمر بالمعروف" تطارد التجمعات وتمنع الموسيقى باعتبارها "مزامير الشيطان"، أصبح "موسم الرياض" وبوليفارد سيتي يجمع مئات الآلاف في حفلات صاخبة، وصمتت المؤسسة الدينية بل وبارك بعض أعضائها هذا الترفيه بوصفه "تطويراً لجودة الحياة". وهذه التحولات لم تأتِ نتيجة نقاش فقهي علني واسع، وإنما بقرارات مركزية سريعة لا تقبل النقاش.

ومن أبرز التناقضات أيضًا، تغير الخطاب تجاه قضايا اجتماعية مثل قيادة المرأة والعمل في مجالات كانت مغلقة سابقًا، حيث انتقل الموقف الرسمي من المنع إلى التشجيع خلال فترة زمنية قصيرة، دون مراجعة فقهية معلنة تواكب هذا التحول. هذا يطرح تساؤلات حول طبيعة المرجعية: هل هي دينية ثابتة أم سياسية متغيرة؟

كما أن المؤسسة الدينية الرسمية، التي كانت سابقًا تُصدر فتاوى صارمة تجاه بعض المظاهر، أعادت صياغة خطابها ليتماشى مع التوجهات الجديدة، ما يعكس درجة عالية من الارتباط بين القرار السياسي والتوجيه الديني. ويظهر ذلك في تغير مواقف بعض الهيئات المرتبطة بـ هيئة كبار العلماء، التي دعمت التحولات الجديدة بعد أن كانت تتبنى مواقف مغايرة في السابق.

في المقابل، يبرز تناقض آخر يتعلق بهامش التعبير، حيث يُسمح بقدر كبير من الانفتاح الترفيهي، بينما يبقى المجال السياسي أو النقدي محدودًا، وهو ما يعكس انتقائية في تطبيق مفهوم الانفتاح ذاته، وهذه التغيرات مجتمعة تفتح باب النقاش حول العلاقة بين الدين والدولة في السعودية: هل نحن أمام إعادة تفسير ديني متجدد، أم توظيف انتقائي للنصوص بما يخدم التحولات السياسية والاقتصادية؟ والإجابة على هذا السؤال تظل محل جدل واسع بين المراقبين.

وكذلك الحال بالنسبة للحرمين والسياحة الدينية في البلاد، فرغم موجة الانفتاح الواسعة التي شملت الترفيه والسياحة العامة، تبقى السياحة الدينية مجالًا مختلفًا تمامًا من حيث القيود والتنظيم. فالدخول إلى مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة يخضع لضوابط صارمة، من حيث القدرة الاستيعابية والهوية الدينية، حيث يُمنع المسلمين من زيارة الكثير من المواقع الإسلامية في مكة والمدينة بذرائع الشرك، كما أن أداء المناسك مرتبط بأنظمة تصاريح محددة وحصص سنوية للدول، تُدار عبر مؤسسات رسمية، وهو ما يجعل الشعيرة الدينية خاضعة لإدارة مركزية دقيقة، بخلاف الانفتاح الكبير في مجالات أخرى.

لكن المفارقة التي يمكن الإشارة إليها هي أن الانفتاح في مجالات الترفيه جاء سريعًا وواسعًا، بينما بقي المجال الديني محكومًا بمنطق الضبط الصارم. وهذا لا يعني أنه “محرّم”، بل أنه محاط بحساسية خاصة تجعل الدولة أقل مرونة في تغييره مقارنة بغيره، وفقًا لأولويات الدولة لا وفق منطق واحد ثابت.

والكارثة هي إعادة تدوير الدين والسنة النبوية بالذات لمواكبة هوى الحاكم السعودي ووفقاً لمتطلبات المرحلة؛ فتُستحضر أحاديث "الطاعة العمياء" لشرعنة التحولات الاجتماعية والترفيهية والقرارات الاقتصادية، بينما تُغيب نصوص "النصيحة والمحاسبة" ويُجرّم فاعلها بتهمة الخروج والفتنة. وهذا التوظيف الانتقائي جعل من "الإرادة الملكية" المرجعية العليا التي تملك حق التحليل والتحريم، محولاً المؤسسة الدينية إلى "جهاز علاقات عامة" يمنح الشرعية للمتناقضات، لتصبح قدسية السلطة هي الثابت الوحيد في دينٍ باتت كل فرائضه قابلة للطرق والسحب.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب